بغير بيّنة وجهان محتملان ، أحدهما : تقبل ليكون ذلك شبهة تسقط بها الحدود ، والثاني :
لا تقبل إلّا ببيّنة عادلة تشهد لهم بالتوبة قبل القدرة عليهم ، لأنّها حدود قد وجبت ، والشبهة ما اقترنت بالفعل لا ما تأخّرت عنه . » « 1 »
وقال ابن قدامة الحنبليّ في شرح قول الخرقيّ : « فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم سقطت عنهم حدود اللَّه تعالى وأخذوا بحقوق الآدميّين من الأنفس والجراح والأموال إلّا أن يعفى لهم عنها » ما هذا لفظه : « لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم ؛ وبه قال مالك ، والشافعيّ ، وأصحاب الرأي ، وأبو ثور . والأصل في هذا قول اللَّه تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
؛ فعلى هذا يسقط عنهم تحتّم القتل والصلب والقطع والنفي ، ويبقى عليهم القصاص في النفس والجراح وغرامة المال والدية لما لا قصاص فيه . فأمّا إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شيء من الحدود لقول اللَّه تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
فأوجب عليهم الحدّ ثمّ استثنى التائبين قبل القدرة ، فمن عداهم يبقى على قضيّة العموم ، ولأنّه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنّها توبة إخلاص ، وبعدها الظاهر أنّها تقيّة من إقامة الحدّ عليه ، ولأنّ في قبول توبته وإسقاط الحدّ عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته والرجوع عن محاربته وإفساده ، فناسب ذلك الإسقاط عنه ، وأمّا بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه ، لأنّه قد عجز عن الفساد والمحاربة . » « 2 »
وقال عبد القادر عودة : « والمراد بما قبل القدرة أن لا تمتدّ إلى المحارب يد الإمام ، فإن تاب بعد أن امتدّت إليه يد الإمام لم تعتبر التوبة قبل القدرة ، ولو كان هارباً أو مستخفياً أو ممتنعاً . ويعتبر المحارب تائباً إذا أتى الإمام طائعاً قبل القدرة عليه ملقياً سلاحه وإن
هامش
( 1 ) - الأحكام السلطانيّة ، ج 2 ، ص 64 .
( 2 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 314 و 315 .