تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
يجب عليه من حدود اللَّه التي لا تختصّ بالمحاربة ، كحدّ الزنا والشرب واللواط ، فإنّها تسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه . وللشافعيّ فيه قولان ، أحدهما : مثل ما قلناه ، والثاني : لا تسقط . دليلنا : إجماع الفرقة على أنّ التائب قبل إقامة الحدّ عليه يسقط حدّه . وأيضاً قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
. » « 1 » ثمّ لا يخفى أنّ المراد من القدرة عليه ، أخذه والظفر به ، لا مجرّد حكم الحاكم عليه في المحاكم . بقي هنا سؤال وهو أنّ التوبة هل تثبت بمجرّد ادّعاء الشخص بأنّه تائب قبل الأخذ والظفر به من دون أيّة قرينة دالّة على ذلك ، ولو لم تكن القرينة على خلافه أيضاً ، بدعوى أنّها شيء لا يعلم إلّا من قبله ، فلا بدّ من أن يقبل قوله إلّا أن تكون هناك قرينة على الخلاف ، أو لا بدّ من إثبات دعواه حيث إنّ الدعوى لا تثبت بمجرّد الادّعاء ، والأصل عدمها ؟ والحقّ : هو الثاني ، لأنّها دعوىً كسائر الدعاوي ، فلا تثبت بمجرّد الادّعاء ، إلّا أن يقال : إنّه مورد للشبهة ، والحدود تدرأ بها .

وأمّا المسألة عند فقهاء العامّة ،

فقال منهم ابن رشد القرطبيّ : « وأمّا ما يسقط الحقّ الواجب عليه ، فإنّ الأصل فيه قوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
. واختلف من ذلك في أربعة مواضع ، أحدها : هل تقبل توبته ؟ والثاني : إن قبلت فما صفة المحارب الذي تقبل توبته ؟ فإنّ لأهل العلم في ذلك قولين ، قول : إنّه تقبل توبته ، وهو أشهر ، لقوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
؛ وقول : إنّه لا تقبل توبته ، قال ذلك من قال : إنّ الآية لم تنزل في المحاربين . وأمّا صفة التوبة التي تسقط الحكم ، فإنّهم اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ، أحدها : إنّ توبته تكون بوجهين ، أحدهما : أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام ؛ والثاني : أن يلقي سلاحه ويأتي الإمام طائعاً ، وهو مذهب
هامش
( 1 ) - كتاب الخلاف ، ج 5 ، صص 467 و 468 ، مسألة 12 .