إن أقرّ ثمّ رجع فلا قطع عليه ، لكن يغرم السرقة الذي أقرّ أنّه سرقها منه ، وهذا تناقض وخطأ ، لأنّه لم يقرّ له بشيء إلّا على وجه السرقة . قلنا : فلا يخلو إقراره ذلك ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما : إمّا أن يكون صادقاً في أنّه سرق منه ما ذكر ، أو يكون كاذباً في ذلك ؛ فإن كان صادقاً فقد عطّلوا الفرض ، إذ لم ينفّذوا عليه ما أمر اللَّه تعالى به من قطع يد السارق ، وإن كان كاذباً فقد ظلموه ، إذ غرّموه ما لم يجب له عنده قطّ ، ولا صحّ إقراره به ، فهم بين تعطيل الفرض ، أو ظلم في إباحة مال محرّم ، وكلاهما لا يحلّ ، وباللَّه تعالى التوفيق . » « 1 »
وقال عبد القادر عودة : « وإذا أقرّ الجاني ورجع عن إقراره ، لم يقطع ، لأنّ العدول شبهة في صحّة الإقرار ؛ ولكن يمكن أن يعزّر على أساس إقراره ، وأن يحكم عليه بضمان المال المسروق . وإذا عدل المتّهم عن الإقرار وكانت الجريمة ثابتة بشهادة الشهود ، قطع الجاني بناءً على ثبوت الجريمة بالبيّنة ، وهذا ما يراه أحمد ومالك والظاهريّون . وعند الشافعيّين يرون أنّ الأصحّ سقوط القطع إذا ثبتت الجريمة أوّلًا بالإقرار ثمّ ثبتت بالبيّنة إذا رجع عن الإقرار . ومذهب الشيعة الزيديّة كمذهب أبي حنيفة يرون أنّ الإقرار يبطل الشهادة ، وأنّ العدول عن الإقرار يبطل الحدّ . وليس للعدول عن الإقرار أيّ أثر عند الظاهريّين ، بل يؤخذ الجاني بإقراره ولو عدل عنه ، لأنّهم لا يدرءون الحدود بالشبهات ، ويرى بعض الشافعيّة هذا الرأي على أساس أنّ السرقة حقّ متعلّق بالأفراد . » « 2 »
هامش
( 1 ) - المحلّى بالآثار ، ج 12 ، ص 330 ، مسألة 2279 .
( 2 ) - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، صص 616 و 617 ، الرقم 619 ؛ وراجع : ص 314 ، الرقم 438 - وراجع أيضاً : بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج 2 ، ص 454 - الأمّ ، ج 6 ، ص 153 - المبسوط للسرخسيّ ، ج 9 ، ص 94 و 141 - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، صص 126 و 387 و 388 - الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، ص 164 .