وعلى نظرنا فلا يكون القياس بباب الزنا مع الفارق ، وذلك لأنّ التوبة إذا أسقطت تحتّم أقوى العقوبتين - وهو الجلد مائة - في أقوى الذنبين - وهو الزنا - فأضعفهما - وهو الجلد ثمانين في الشرب - يسقط بها بطريق أولى .
هذا مضافاً إلى عموم التعليل الوارد في خبر تحف العقول في أجوبة الإمام أبي الحسن الثالث عليه السلام ليحيى بن أكثم ، لمّا سأله عن مسائل ، وفيه : « وأخبرني عن رجل أقرّ باللواط على نفسه ، أيُحدّ ، أم يدرأ عنه الحدّ ؟ » فكتب عليه السلام في جوابه : « وأمّا الرجل الذي اعترف باللواط ، فإنّه لم تقم عليه بيّنة ، وإنّما تطوّع بالإقرار من نفسه ، وإذا كان للإمام الذي من اللَّه أن يعاقب عن اللَّه ، كان له أن يمنّ عن اللَّه ، أما سمعت قول اللَّه :
« هذا عَطاؤُنا . . . »
« 1 » . » « 2 »
وكذا التعليل الوارد في ما ورد عن بعض الصادقين عليهم السلام ، قال : « جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأقرّ بالسرقة ، فقال له : أتقرأ شيئاً من القرآن ؟ قال : نعم ، سورة البقرة ، قال : قد وهبتُ يدك لسورة البقرة ، قال : فقال الأشعث : أتعطّل حدّاً من حدود اللَّه ؟ فقال :
وما يدريك ما هذا ؟ إذا قامت البيّنة فليس للإمام أن يعفو ، وإذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك إلى الإمام ، إن شاء عفى وإن شاء قطع . » « 3 »
أضف إلى ذلك كلّه أنّ بناء الحدود على التخفيف ورعاية الاحتياط ، فتسقط بأدنى شبهة ، وما ذكرناه لا أقلّ من أنّه يوجب الشبهة .
وقد بحثنا عن مسألة توبة من يرتكب ما يستحقّ الحدّ بنحو مبسوط في مباحثنا حول حدّ الزنا ، وذكرنا تفصيل آراء فقهاء السنّة في أثر التوبة عقيب الجرائم ، فراجع . « 4 »
هامش
( 1 ) - ص ( 38 ) : 39 .
( 2 ) - تحف العقول ، صص 478 و 481 .
( 3 ) - وسائل الشيعة ، الباب 18 من أبواب مقدّمات الحدود ، ح 3 ، ج 28 ، ص 41 .
( 4 ) - راجع : الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، صص 311 - / 325 و 381 - / 388 .