ويظهر نحو هذا التفصيل من الشهيد الثاني رحمه الله ، حيث قال في بيان قول المحقّق الحلّي رحمه الله : « ولا يشترط حضور الشهود عند إقامة الحدّ » ، ما هذا لفظه : « المراد بالحدّ هنا ما عدا الرجم ، لما سيأتي من الخلاف فيه ، ويمكن أن يريد ما يعمّه حيث يتعذّر حضورهم . » « 1 »
ومراده من « سيأتي » ، هو المسألة الثالثة الآتية ، التي يبحث فيها عن وجوب حضور الشهود موضع الرجم وعدمه .
ويرد على التفصيل المذكور أنّه لا استلزام بين وجوب بدء تهم بالرجم وبين اشتراط حضورهم ، ولا يقتضي وجوب البدءة تكليفاً الاشتراط وضعاً .
وبتقريب آخر إنّ وجوب بدء الشهود بالرمي وكذا الإمام - على فرض وجوبه - إنّما يكون وجوباً شرطيّاً لا مطلقاً ، بمعنى أنّه على فرض وجودهم وحضورهم في محلّ الرجم يجب عليهم البدء ، لا أنّه يجب عليهم أن يحضروا في المحلّ ، وحينئذٍ فإن امتنع الشهود عن الحضور ولم يوجب ذلك الشبهة الدارئة ، فيقام الحدّ بمباشرة غيرهم ويصحّ .
وذلك لأنّ الدليل الدالّ عليه ، إنّما هو في مقام بيان كيفيّة الرمي ، وليس مسوقاً لبيان وجوب أمر مستقلّ في جنبه .
وبما ذكرنا يظهر النقاش في كلام المحقّق الأردبيلي رحمه الله أيضاً ، حيث إنّه ذكر بعد بيان عدم سقوط الحدّ بغيبة الشهود أو موتهم ما هذا نصّ كلامه : « وفي هذا إشارة إلى عدم وجوب بدأة الشهود ، فإنّ الحضور غير واجب ، فكيف الابتداء ، فتأمّل . » « 2 »
وكيف كان فدليل المسألة واضح ، إذ لا اعتبار ببقاء الحجّة بعد إقامتها ، وللأصل - أعني : استصحاب بقاء الحدّ - وأيضاً أصالة عدم الاشتراط ، والأخذ بإطلاقات أدلّة
هامش
( 1 ) - مسالك الأفهام ، ج 14 ، صص 392 و 393 .
( 2 ) - مجمع الفائدة والبرهان ، ج 13 ، ص 71 .