وَكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أنْ يَموتَ الرَّجُلُ بِالأرْضِ الَّتي هاجَرَ مِنْها .
فَمِنْ ثَمَّ
قالَ : « لَكِنَّ البَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ » يَرْثي لَهُ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ أنْ ماتَ بِمَكَّة .
فليس إذَن لموضوع الأرض والتراب أهمّيّة كبيرة إلى الحدّ الذي يعدّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سعداً بائساً . والبائس : هو الذي ابتلي بالبؤس والشدائد ، وباختصار مَن تعلّقت به الشقاوة . وكانت تعاسة وشقاوة سعد بن خولة بسبب هجرته إلى المدينة ثمّ رجوعه إلى مكّة .
وَقالَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ :
« اللّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا » .
( ولم يكن بعد الفتح ، بل حين مجيئه إلى العمرة أو الحجّ بعد صلح الحديبيّة ) .
فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صارَتْ دارَ الإسْلامِ كَالمَدينَةِ ، وَانْقَطَعَتِ الهِجْرَة .
لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ
إذَن ، هذا نوع من الهجرة . وأمّا القسم الثاني فهي الهجرة التي ليس لها مرتبة وفضل القسم الأوّل .
وَالهِجْرَةُ الثَّانيَة : مَنْ هاجَرَ مِنَ الأعْرابِ وَغَزا مَعَ المُسْلِمينَ وَلَمْ يَفْعَلْ كَما فَعَلَ أصْحابُ الهِجْرَةِ الاولَى فَهُوَ مُهاجِرٌ ، وَلَيْسَ بِداخِلٍ في فَضْلِ مَنْ هاجَرَ تِلْكَ الهِجْرَةَ . وَهُوَ المُرادُ
بقَوْلِهِ : « لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ » .
فَهَذا وَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الحَديثَيْن . ( أي اتّضح بهذا وجه الجمع بين الحديثين اللذين يقول النبيّ في أحدهما : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ، أي بعد فتح مكّة ، ويقول هنا : لَا تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، أي أنَّ الهجرة واجبة على الجميع من ولادتهم حتّى آخر لحظات حياتهم في هذه الدنيا ) . وذلك بأن نقول : إن المراد من الهجرة في الرواية الأولي الهجرة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله بترك المرء بيته وموطنه ويهاجر إلي
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام — صفحة 135
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٥