ورابعاً : أنّ هذا من قبيل الاحْجية واللغز ؛ إذ ما يناسب وجوب الوفاء هو لزوم العقد لا جوازه ، فاستفادة الجواز وكونه في مقام بيانه بإيجاب الوفاء به ، بعيد عن متفاهم العقلاء والعرف .
تقرير دلالة الآية على اللزوم من طريق الضدّ
هذا ، وقد يقال في تقريب الاستدلال بالآية : بأنّ المتفاهم العرفي من الأمر بالشيء النهي عن نقيضه ، فإيجاب الوفاء بالعقد يستلزم حرمة مخالفته ونقضه ، والنقض والمخالفة قد يتحقّق بعدم تسليم المبيع ، وقد يتحقّق بالفسخ وحلّ العقد ، وإذا تعلّق بالأوّل يفهم منه التكليف ، وإذا تعلّق بالثاني يفهم منه الوضع وعدم نفوذ فسخه ، وهو مستلزم للزومه .
والحاصل : أنّ الوفاء بالعقد يستلزم النهي عن نقضه وحلّه ، ومعنى حرمة نقضه بالفسخ عدم نفوذه ، فيتمّ المطلوب ؛ أي لزوم العقد .
أقول : عرفت أنّ في الوفاء بالعقد ثلاثة احتمالات ؛ الأوّل : أن يكون المراد بالوفاء به التسليم والتسلّم الخارجيين وردّ المبيع والثمن ، كما قلنا ، والثاني :
إبقاؤه وعدم حلّه ، والثالث : كليهما معاً :
فعلى الأوّل لا يمكن التمسّك بهذا التقريب ؛ إذ نقض الوفاء هو عدم التسليم ، وهو حرام تكليفاً ، ولم يتعلّق النقض بالفسخ حتّى يحرم .
وعلى الثاني فالأمر أيضاً كذلك ؛ إذ المراد بوجوب الوفاء حينئذٍ ليس وجوبه تكليفاً ؛ إذ لا معنى له في نفس بقاء العقد ، بل يكون المراد به الإرشاد ، والإرشاد إلى عدم نفوذ الفسخ ولزوم العقد بذلك الوجه - أعني حرمة نقضه ، ومنه إلى عدم نفوذ فسخه ، ومنه إلى لزوم العقد - من قبيل الاحْجية