تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
إلّا أن تلك الضوابط لا تنفع إلّا في عدد قليل من تلك السير ، ومن ثم يقع الشك في كثير منها ؛ هل كانت معاصرة لعصر النص أم لا ؟ بل حتى لو فرض عدم الشك في أصل وجودها ، يمكن أن يسري الشك في حدودها وأنها مطلقة أو مقيّدة . والفقيه الذي يحصل له الاطمئنان بأن هذه السير كانت موجودة في أيامهم « عليهم السلام » بمجرّد أنها معاشة له ، مثل هذا الفقيه غير مطّلع على طبيعة تكوّن مثل هذه الارتكازات العقلائية في المجتمعات البشرية ، وما تتأثّر به من عوامل فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية . فلو كان يقف على تلك العوامل ، لعلم أن كثيراً من هذه القناعات الاطمئنانية لا مجال لها . والحاصل أنه لا يمكن الاطمئنان بكثير من هذه السير العقلائية المعاصرة لنا ، لعدم الوثوق بوجودها في زمان المعصوم ( عليه السلام ) أيضاً . ويتركّز هذا الشك غالباً في باب الأمور المعاملية والقوانين الاجتماعية ، لأنها هي التي تتأثّر بالعوامل المختلفة بتطوّر الزمن ، أكثر من سائر دوائر الحياة الأخرى . إذن لا بد من التوقّف عن العمل بالسيرة بهذا العرض العريض ، إلا أن تلبس لباس المشروعية ، وهذا ما يمكن الوصول إليه في كثير من المجالات من خلال قاعدة « لا ضرر » وأمثالها ، بعد أن نرجعها إلى أنها بصدد إمضاء ملاك ونكتة تلك الارتكازات العقلائية ، هذا مضافاً إلى أن البناء العقلائي قائم على أصالة الثبات وعدم النقل كما تقدّم ، ومرجع ذلك إلى حجية ظهور اللفظ بالنحو المعاصر لنا بمجرد احتمال كونه كذلك من أوّل الأمر . حينئذ يمكن الاستناد إلى قاعدة « لا ضرر » في كثير من الحقوق العرفية المستجدّة بعد عصر النص لاستنباط الأحكام المناسبة لها .