ارتكازاته وذوقه المصالح والمفاسد ويحكم على أساسها . إلا أن أتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) لما كانوا يعتقدون بأن النص الوارد عن الإمام ( عليه السلام ) كالنص الوارد عن النبي ( صلى اللَّه عليه وآله ) لم يقعوا في تلك المشكلة بعد العهد النبوي ، وإنما كانوا يراجعون أئمة أهل البيت « عليهم السلام » في هذه الوقائع والمسائل المستجدّة لمعرفة أحكامها .
بيد أن هذه المشكلة بدأت في الظهور بالنحو الذي واجهت الفقه السنّي ، بعد أن انقطعت صلة أئمّة أهل البيت « عليهم السلام » بشيعتهم ، ولما لم يكن بالإمكان إرجاع جميع هذه الوقائع والحوادث إلى العمومات الاجتهادية لمعرفة أحكامها ، فتح جملة من الفقهاء باب الاستدلال بالسيرة العقلائية ، فصاروا يعوّضون عن الفراغ الموجود في الروايات بالسيرة ، لذا نرى أن كثيراً من أحكام فقه المعاملات يُستدل فيها بالسيرة ولا تذكر آية أو رواية فيها .
وهذا بحسب الحقيقة علاج لنفس المشكلة التي عالجها الفقه السنّي عن طريق المصالح المرسلة ونحوها ، حتى قيل أخيراً إن السيرة هي الدليل الخامس في الفقه .
لكن طريقة تصوّر الفقه الشيعي للسيرة العقلائية يختلف تماماً عن تصوّر الفقه السنّي للمصالح المرسلة ونحوها . حيث لم يكن يرى فقهاء مدرسة أهل البيت « عليهم السلام » أن الفقيه يدّعي لنفسه التشريع في مقام الاستنباط ، بل كان بصدد بيان أن السيرة كاشفة عن إمضاء الشارع ، فنستكشف الحكم الشرعي من خلال ذلك . ولهذا أكّدنا في مبحث السيرة ضرورة معاصرتها لزمان المعصوم ( عليه السلام ) ليكون سكوته عنها إمضاءً لها . وقد ذكرنا وجوه عديدة لبيان كيفية إثبات معاصرتها لعهد النبي ( صلى اللَّه عليه وآله ) والأئمة عليهم السلام .
لا ضرر ولا ضرار من أبحاث الشهيد محمد باقر الصدر — صفحة 282
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٢