وأمّا القول الثالث : فقد احتمله الماتن رحمه اللّه في المعتبر حيث إنّه بعد نقل المشهور عن الثلاثة - أي الشيخين والمرتضى - وأتباعهم قال :
وعندي فيه تردّد ، ويمكن أن يقال : ينظر إلى حاله قبل تصادم الاحتمالين ، فإن كان حدثا بنى على الطهارة ؛ لأنّه تيقّن انتقاله عن تلك الحالة إلى الطهارة ولم يعلم تجدّد الانتقاض ، فصار مستيقنا للطهارة وشاكّا في الحدث ، فيبني على الطهارة ، وإن كان قبل تصادم الاحتمالين متطهّرا ، بنى على الحدث ؛ لعين ما ذكرناه من التنزيل « 1 » . انتهى .
واختاره المحقّق الثاني رحمه اللّه في جامع المقاصد حيث إنّه بعد أن نقل الأقوال في المسألة قال : « والأصحّ البناء على الضدّ إن لم يقطع بالتعاقب ، وإلّا أخذ بالنظير ، ولو لم يعلم حاله قبلهما تطهّر » « 2 » . انتهى .
وحاصل دليل هذا القول - على ما ذكره جماعة - أنّه إن كان محدثا ، فقد تيقّن رفع ذلك الحدث بالطهارة المتيقّنة مع الحدث الآخر ؛ لأنّها إن كانت بعد الحدثين أو بينهما فقد ارتفعت الأحداث السابقة بها ، وانتقاضها بالحدث الآخر غير معلوم ؛ للشكّ في تأخّره ؛ لاحتمال تعاقب الأحداث ، وإن كان متطهّرا ، فقد تيقّن أنّه نقض تلك الطهارة بالحدث المتيقّن مع الطهارة ، ورفعه بالطهارة الأخرى غير معلوم ؛ لجواز تقدّمها عليه تجديدا للطهارة السابقة ، أو مع الذهول عنها ، فهو في الحقيقة في هذه الصورة مستيقن بالحدث وشاكّ في الطهارة ، كما أنّه في الصورة الأولى بالعكس .
واستشكل فيه في الروضة :
بأنّ المتيقّن حينئذ ارتفاع الحدث السابق ، أمّا اللاحق المتيقّن وقوعه فلا ، وجواز تعاقبه لمثله مكافئ لتأخّره عن الطهارة ، ولا مرجّح « 3 » . انتهى .
وتوضيحه : أنّ الأحداث السابقة فيما لو علم بها وإن كانت قد ارتفعت قطعا بالطهارة اللاحقة اليقينيّة إلّا أنّ الحدث اللاحق الواقع اليقيني مع الطهارة - كما هو المفروض - لا بدّ
هامش
( 1 ) المعتبر ، ج 1 ، ص 171 .
( 2 ) جامع المقاصد ، ج 1 ، ص 237 .
( 3 ) الروضة البهيّة ، ج 1 ، ص 82 .