فنيّته بهذا الاعتبار خير من عمله .
والثالث : أنّ النيّة روح العمل ، والعمل بمثابة البدن لها ، فخيريّة العمل وشرّيّته تابعتان لخيريّتها وشرّيّتها ، كما أنّ شرافة البدن وخباثته تابعتان لشرافة الروح وخباثته .
والرابع : أنّ نيّة المؤمن وقصده أوّلا هو اللّه ، وثانيا العمل ؛ لأنّه يوصل إليه .
والخامس : أنّ « خيرا » ليس للتفضيل . و « من » تبعيضيّة صفة له ، أي نيّة المؤمن عمل خير من جملة أعماله « 1 » . انتهى ، فتأمّل .
ومنها : ما دلّ على مطلوبيّة العبادة في حال الإخلاص ونيّة القربة ، مثل قوله تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
« 2 » ، وقوله :
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
« 3 » .
وجه الاستدلال : أنّ العبادة لو كان من جزئها الإخلاص والنيّة ، لأغنى ذلك عن القيد ، فيلزم اللغو والتكرار .
وفيه ما لا يخفى ؛ إذ اللغو إنّما يلزم لو خلا القيد عن الفائدة ، وهي هنا الإشارة إلى أهمّيّة الإخلاص ، وأنّه ممّا تتوقّف عليه العبادة ، ومطلق التكرار لا يخلّ بالفصاحة ، بل ربما يكون مقوّيا لها كما حقّق في محلّه .
ومنها : أنّ النيّة أمر قلبي ، فكيف يكون جزءا للعمل الحاصل من الجوارح ! ؟
وفيه : أنّ الكلام في العبادة ، ولا مانع من تركّبها من الأمر القلبي وغيره ، وهذا واضح .
ومنها : أنّ الأصل عدم كونها جزءا داخلا في الماهيّة .
وفيه : أنّ الأصل أيضا عدم كونها شرطا خارجا عنها .
والحاصل : أنّ الشكّ ليس في أصل الحدوث حتّى يجري الأصل ، بل هو في الدخول والخروج - وبعبارة أخرى : في الحادث - فلا حكم للأصل ، بل هو بالنسبة إلى الأمرين على السواء .
هذا لو قلنا بكون الألفاظ للأعمّ ، وإلّا فمقتضى الأصل الدخول ، فتدبّر .
هامش
( 1 ) المجلسي رحمه اللّه في مرآة العقول ، ج 8 ، ص 92 - 96 ، بتقديم وتأخير وتفاوت في بعض الألفاظ .
( 2 ) البيّنة ( 98 ) : 5 .
( 3 ) الزمر ( 39 ) : 14 .