وإمّا أن يكون من الأمور الخاصّة ، مثل : لنا وللخلق ، وغيرهما ممّا يناسب المقام .
فإن كان الأوّل ، يلزم أحد الأمرين : إمّا عدم إثبات الوجود بالفعل للواحد الحقيقي ، وإمّا عدم تنزيهه من إمكان الشركة ؛ ضرورة لزوم الأمر الأوّل على تقدير إضمار العامّ كالإمكان ، ولزوم الثاني على تقدير إضمار الخاصّ كالوجود نفسه ، ولا شكّ أنّ كلّا منهما معتبر في التوحيد .
وإن كان الثاني ، يرد أنّ الدالّ عليه إمّا منتف ، وإمّا خفيّ لا يهتدي إليه ، ومنه يظهر عدم جواز ارتكاب أنّ المضمر هو الموجود المقيّد بالإمكان والفعل حتّى يكون مفاد هذه الكلمة نفي الوجود عمّن سواه وإثباته له .
ثمّ الباعث لهم على ارتكاب إضمار الخبر أنّهم زعموا أنّه لا بدّ ل « لا » هذه من الخبر كما هو الظاهر المتعارف ، مع عدم جواز كون المذكور خبرا .
أمّا على تقدير أن يكون كلمة « إلّا » بمعناها - أعني الاستثناء - فظاهر ؛ ضرورة عدم جواز كون المستثنى خبرا عن المستثنى منه ، وعلى تقدير عدم الإضمار يلزم أن يكون الاستثناء عن اسم « لا » فلا يكون خبرا عنه .
وأمّا على تقدير كونها بمعنى « غير » : فلأنّها بهذا المعنى لا تكون إلّا للصفة ، كما هو المشهور ، فلا تكون داخلة على الخبر . انتهى .
وقد نسب القول بعدم الإضمار جماعة إلى المحقّقين .
وقد يقال : إنّ الكلمة نقلت شرعا إلى نفي الإمكان والوجود عن إله سوى اللّه مع الدلالة على وجوده وإن لم تدلّ عليه لغة ، فليتأمّل .
(
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
« 1 » أي توجّهوا إلى اللّه الواحد بالإقرار بوحدانيّته وألوهيّته ، مخلصين له النيّة عن الشرك والتوجّه إلى غيره ، أو التوحيد عن الالتفات إلى ما سواه ، أو العبادة عن تشريك غيره فيها ؛ فإنّ الدين كلّه للّه حيث إنّه لا يستحقّ ذلك كلّه سواه ، فلا في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى إله يعبد غيره ، قال :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
« 2 » انتهى .
هامش
( 1 ) غافر ( 40 ) : 65 .
( 2 ) البيّنة ( 98 ) : 5 .