والثاني : لا إله في الوجود إلّا اللّه .
اعلم أنّ هذا الكلام غير سديد .
أمّا الأوّل : فلأنّه لو كان التقدير : « لا إله لنا إلّا اللّه » لم يكن هذا الكلام مفيدا لتوحيد الحقّ ؛ إذ يحتمل أن يقال : هب أن يقال : لا إله لنا إلّا اللّه فلم قلتم : لا إله لجميع المحدثات والممكنات ؟ ولهذا السبب أنّه تعالى لمّا قال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
قال بعده :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
« 1 » لأنّه لمّا قال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
بقي للسائل أن يسأل ويقول : هب أنّ إلهنا واحد ، فلم قلتم : إنّ إله الكلّ واحد ؟ فلأجل إزالة هذا السؤال قال بعده :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
ولو كان المراد من
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
هذا الإله في قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ
كان تكرارا محضا .
وأمّا الثاني : وهو قولهم : لا إله في الوجود إلّا اللّه ، قلنا : وأيّ حمل يحملك على هذا الإضمار ، بل نقول : حمل الكلام على الظاهر أولى من ذلك الإضمار الذي ذكرتم ؛ لأنّا لو التزمنا ذلك كان معناه : لا إله في الوجود ، فكان هذا نفيا لوجود الإله الثاني .
ولو أجرينا الكلام على ظاهره ، كان هذا نفيا لماهيّة الإله الثاني ، ومعلوم أنّ نفي الماهيّة أقوى في إثبات التوحيد من نفي الوجود ، فثبت أنّ الإجراء على ظاهره أولى .
فإن قيل : نفي الماهيّة غير معقول ، فإنّك إذا قلت : « السواد ليس بسواد » كنت قد حكمت بأنّ السواد ينقلب إلى نقيضه ، وصيرورة الشيء عين نقيضه غير معقول .
أمّا إذا قلت : « غير موجود » كان هذا كلاما معقولا ، فلهذا السبب اخترنا الإضمار .
قلنا : قولكم : « نفي الماهيّة غير معقول » قلنا : هذا باطل ؛ فإنّك إذا قلت : « السواد ليس بموجود » فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهيّة ، فإذا نفيته فقد نفيت الماهيّة المسمّاة بالوجود ، وإذا كان كذلك صار نفي الماهيّة معقولا ، فإذا عقل ذلك ، فلم لا يجوز إجراء الكلام على ظاهره ؟ انتهى .
وقال بعض الأفاضل في رسالته في المباحث المتعلّقة بهذه الكلمة أيضا :
البحث الأوّل : فيما ذهب إليه بعض من أهل المنقول من أنّه لا بدّ فيها من تقدير الخبر ، وهو أن يقال : إنّ المقدّر إمّا أن يكون من الأمور العامّة ، كالوجود وإمكانه وما يرادفهما ،
هامش
( 1 ) البقرة ( 2 ) : 163 .