قال الوالد رحمه اللّه :
فإنّ الغائط هنا إمّا عبارة عن المكان المطمئنّ من الأرض كما هو معناه الحقيقي لغة ، وفسّره في الآية جماعة من المفسّرين ؛ بناء على تقديم اللغة على العرف عند التعارض ، وإمّا عبارة عن الحدث المخصوص ؛ بناء على تقديم العرف على اللغة عند تعارضهما .
وعلى التقديرين تنزّل الآية على أنّ الغائط - أي الفضلة المخصوصة - ناقض للوضوء من أيّ مخرج خرج .
أمّا على الأوّل : فلأنّ تقدير الآية حينئذ يصير هكذا : أو جاء كلّ واحد منكم من المكان المطمئنّ من الأرض ، وهذا كناية عن كلّ من أحدث منكم بالتغوّط ، أو الأعمّ منه ومن التبوّل من أيّ مخرج خرج ، لا أن يكون كناية عن كلّ من تغوّط أو تبوّل من الموضع المعتاد .
وأمّا على الثاني : فلأنّ تقدير الآية حينئذ يصير هكذا : أو جاء كلّ واحد منكم من الحدث المخصوص ، ولم يعيّن موضعا دون موضع ، فإطلاق الغائط بالمعنى المذكور يقتضي ناقضيّته للوضوء من أيّ مخرج خرج . انتهى ملخّصا .
وأجيب عنه : بأنّ الإطلاق يحمل على الغالب المتعارف ، فلا ينصرف إلى مثل المقام .
وفيه نظر ؛ فإنّ كون ذلك الفرد غالبا بحسب غلبة الاستعمال والشيوع العرفي لا يوجب انصراف الإطلاق إليه بعد صدق الغائط على غير الخارج من السبيلين عرفا .
ومن هنا يتّجه الفرق بين ما إذا كان الخارج يصدق عليه اسم الغائط عرفا وبين غيره ، بل لا أظنّ أنّ نزاعهم محلّه الثاني ؛ لاتّفاقهم ظاهرا على أنّه لا ينقض ، فتأمّل .
والحاصل : أنّ الإطلاق منصرف إلى الشيوع الصدقي لا الوجودي ، فتدبّر .
ومنها : قوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
« 1 » إلى آخره . انتهى .
وجه الاستدلال : أنّ مقتضى عمومه وجوب التوضّؤ على كلّ من يقوم إلى الصلاة إلّا من خرج بالدليل ، والقدر المسلّم خروج من لم يخرج منه الحدثان أصلا ، وأمّا من خرجا منه بالنحو الذي هو محلّ النزاع فمندرج تحت العموم .
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 6 .