وعليه فهل يكون التخيير ابتدائيّا ، أو استمراريّا ؟ وجهان ، وكذلك القول في وجوب الإكمال إلى الخمسين لو زاد عن الأربعين شيئا ، وعدمه ، فليتأمّل .
وربما يقال : إنّ الترديد إنّما وقع من الراوي ، وحينئذ فيتعيّن الخمسون ؛ لحصول البراءة القطعيّة به ، حيث إنّ النجاسة مع الأربعين حكمها مستصحب إلى أن يزول قطعا ، ولا قطع إلّا بالخمسين .
وفيه : أنّ الاستصحاب هنا معارض مع أصل البراءة عن الزائد ، فتأمّل .
وأضعف من هذا ما ربما يقال : إنّه مع كون الترديد من الإمام عليه السّلام أيضا يجب الحكم بالخمسين ؛ إذ إيجاب أحدهما يستلزم إيجاب الأكثر ؛ لأنّه مع الأقلّ غير متيقّن للبراءة ، وإنّما يعلم خروجه عن العهدة بفعل الأكثر .
قال في الذخيرة : « وفيه نظر ؛ لأنّ التخيير بين الأمرين لا يقتضي وجوب الأكثر ، فتحصل البراءة بالأقلّ » « 1 » . انتهى .
ثمّ لا يخفى أنّ الرواية خالية عن تقييد العذرة باليابسة ، وإنّما المستفاد منها بقرينة المقابلة اعتبار عدم الذوبان في ترتّب الحكم الأوّل ، أي نزح عشرة دلاء .
ومعنى الذوبان لغة : هو الميعان ، قال في القاموس : « ذاب ذوبا وذوبانا محرّكة ضدّ جمد » « 2 » . انتهى .
وحينئذ فعدم الذوبان أعمّ من اليبوسة والرطوبة ؛ لاجتماعه مع كلّ منهما ، دون العكس بالنسبة إلى الرطوبة تارة ، وذلك حيث كانت العذرة رطبة ذائبة ، أي مائعة ، وعلى هذا فلا وجه للتقييد في الحكم الأوّل باليابسة ؛ حيث إنّ الحكم الثاني - وهو الخمسون أو الأربعون - مرتّب على العذرة المائعة ، بل المقابلة تقتضي التقييد بما يعمّ اليابسة وغيرها ، أي الرطبة ، وهو عدم الذوبان .
نعم ، قد فسّر الأكثرون الذوبان في الرواية بتقطّع أجزاء العذرة وانتشارها في الماء ؛ نظرا إلى أنّ هذا هو المتبادر عند نسبته إلى العذرة عرفا .
هامش
( 1 ) ذخيرة المعاد ، ص 132 .
( 2 ) القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 69 . « ذ وب » .