وهذا واضح لا شبهة فيه ، فليتدبّر .
[ الوجه ] الثالث : أنّ مقتضى المفهوم نجاسة القليل بالملاقاة مطلقا ،
وهو معارض بما دلّ على طهارته بالعموم من وجه ، والترجيح - بالمنطوقيّة والموافقة للأصل والشهرة العظيمة ، بل الإجماع في الحقيقة - لدليل الطهارة ، كما أنّ المرجع عند التساقط أصالتها .
وفيه نظر ؛ إذ التعارض عند التدبّر يرجع إلى العموم والخصوص المطلق ؛ إذ ما دلّ على الطهارة يدلّ عليها مطلقا ، سواء كان بقدر كرّ أو لم يكن ، والمفهوم يقتضي النجاسة في غير البالغ كرّا ، ولا ريب في كونه خاصّا ، فيقدّم على العامّ مطلقا وإن كان دلالته بحسب المفهوم ؛ لما قرّر في محلّه من جواز التخصيص به لكونه حجّة . ولا يشترط التكافؤ من جهة أخرى أيضا ؛ لأنّ هذا الجمع ممّا يقتضيه حكم العرف والاعتبار ، فتأمّل .
[ الوجه ] الرابع : أنّ القليل من الجاري لم يكن شائعا في زمان صدور هذه الأخبار ،
ولم يكن الجاري ممّا يحتاج إلى جعل المعيار فيه بالكرّيّة وعدمها ، فلا تنصرف إليه .
والحاصل : أنّ مورد هذه الأخبار الماء الذي يصحّ أن يكون موردا للمعيار المذكور من الترديد فيه بأنّه إن بلغ كرّا لم ينجّسه شيء ، وإن لم يبلغ ينجّس ، ولم يكن الجاري في زمن صدور هذه الأخبار قابلا لهذا الترديد فيه ؛ لكونه كرّا ، ولم يكن القليل منه شائعا ، وشيوعه في غير بلاد السائل والمسؤول لا يكفي .
وفيه نظر ؛ إذ بعد ثبوت دلالة هذا اللفظ على العموم الاستغراقي لا وقع لهذه المناقشة ؛ إذ الانصراف إنّما هو في المطلق . وعدم كون الجاري في زمن الصدور قابلا للترديد - لو سلّمناه - أيضا لا يمنع عن جريان الحكم بالنسبة إليه بعد القبول ؛ لأنّ هذا مقتضى العموم الوضعيّ ، وإلّا لكان هذا الكلام جاريا في جميع العمومات المستدلّ بها للأفراد النادرة غير الشائعة ، مع أنّ المحقّقين من أصحابنا لا يقولون بذلك إلّا في المطلقات ، نظرا إلى أنّ إفادتها للعموم إنّما هي بالحكمة لا بالوضع .
اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّ إفادة لفظ الماء للعموم إنّما هي كذلك ، فيستقيم القول بعدم الانصراف إلى ما هو الشائع في زمن الصدور .
ولكن لا يخفى أنّ المستفاد من أمثال هذه الأخبار بيان الضابطة الكلّيّة لمطلق الماء في