ويدلّ على ذلك أيضا بعد إجماع الطائفة قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
« 1 » لأنّ مخالطة النجاسة للماء الجاري أو الكثير الراكد إذا لم يتغيّر أحد أوصافه لا يخرجه عن استحقاق إطلاق هذا الاسم والوصف معا عليه ، وإذا كان كذلك وجب العمل بالظاهر ، إلّا بدليل قاطع « 2 » ، إلى آخره ، انتهى .
وحكي عن الماتن في المعتبر « 3 » دعوى الإجماع عليه أيضا ، وبه تشعر عبارة الشهيد في الذكرى ، قال :
لا ينجس الجاري بالملاقاة إجماعا ، ولا يعتبر فيه الكرّيّة في المشهور ، ولم أقف فيه على مخالف ممّن سلف ؛ لعدم استقرار النجاسة ؛ ولنصّ الصادق عليه السّلام على رفع البأس عن بول الرجل في الجاري . والعلّامة اعتبره ؛ لعموم اعتبار الكرّيّة « 4 » . انتهى .
ومراده بمن سلف : من تقدّم على العلّامة رحمه اللّه ، كما يدلّ عليه آخر كلامه ، فلا وجه لما حكي عن الشهيد الثاني من استغرابه ذلك « 5 » ، فليتأمّل .
وقد يقال : إنّ العلّامة رحمه اللّه أيضا قد وافق المشهور .
وليس كذلك ، بل هو في أكثر كتبه قال بالأوّل ، وبه صرّح جماعة ، وهو مختار جماعة من متأخّري المتأخّرين .
دليل المشهور وجوه :
منها : أصالة الطهارة الثابتة في الأشياء ؛
لأنّها خلقت لمنافع العباد .
وأجاب عن ذلك في الذخيرة والحدائق « 6 » بما قدّمنا عنهما من الإشكال في هذا الأصل ؛ إذ الطهارة والنجاسة حكمان شرعيّان يتوقّف الحكم بهما على الدليل الشرعيّ ، ولا مدخل للدليل العقليّ فيهما ، كما لا مدخل له في غيرهما من الأحكام الشرعيّة ، والعلّة المذكورة
هامش
( 1 ) الفرقان ( 25 ) : 48 .
( 2 ) غنية النزوع ، ص 45 - 46 .
( 3 ) المعتبر ، ج 1 ، ص 41 .
( 4 ) ذكرى الشيعة ج 1 ، ص 75 .
( 5 ) روض الجنان ، ج 1 ، ص 363 .
( 6 ) ذخيرة المعاد ، ص 117 ؛ الحدائق الناضرة ، ج 1 ، ص 188 .