من البيع والإجارة والصلح والوكالة والهبة والعتق والطلاق إلى غير ذلك ؛ فإنّه ليس في مقام تشريع حكم متعلّق هذه الأمور أوّلًا وبالذات ، بل إنّما هو في مقام بيان سببيّة هذه الأمور للالتزام وتأثيرها فيه إن وجد محلّاً قابلًا غير مشغول بما يمنع من تأثيرها . فتلك الأدلّة في مقام بيان كون هذه الأمور مقتضية للّزوم في متعلّقاتها لا في مقام بيان كونها علّة تامّة . وهذه بخلاف ما دلّ على حرمة الخمر والربا ووجوب الصلاة والصوم فإنّه في مقام بيان تشريع الحكم لهذه الموضوعات أوّلًا وبالذات مع قطع النظر عن عدم عروض حكم لها . فما دلّ على حرمة الخمر مثلًا إنّما يدلّ على كون حكم هذا الموضوع أوّلًا وبالذات هي الحرمة ، فهو يثبت حكماً أوّليّاً لها ، فهو بعمومه يدلّ على أنّ كلّ خمر علّة تامّة في اقتضاء الحرمة سواء نذر شربه أم لا ، فلا يمكن أن يعرضه الوجوب بالنذر لفرض كونه مقتضياً للتأثير في المحلّ القابل الغير المشغول بالمانع .
فإن قلت : أيّ فرق بين قوله : ( حرّمت عليكم الخمر ) ، و : ( أُبيحت لكم السكر ) مثلًا ؟ فإن قلت : إنّ الأوّل يدلّ على أنّ الخمر علّة تامّة في اقتضاء الحرمة . قلنا : إنّ الثاني أيضاً يدلّ على كون السكر علّة تامّة في اقتضاء الإباحة . فإن قلت : إنّ الحرمة تضادّ الوجوب العارض بالنذر فيمنع منه . قلنا : إنّ الإباحة أيضاً ضدّ للوجوب العارض به ، ضرورة تضادّ الأحكام بأسرها . فإن قلت : إنّ قوله : حرمت عليكم الخمر في مقام بيان الحكم الأوّلي والتشريع الذاتي . قلنا : إنّ قوله : أبيحت لكم السكر أيضاً كذلك .
فالحاصل : أنّه لا فرق بينهما من جميع الجهات ، فما وجه قولك بأنّ الحرمة مثلًا مانعة من تأثير النذر ، لكنّ الإباحة مثلًا غير مانعة منه .
قلت : ما ذكرته من كون الإباحة فعليّة كالحرمة وكونها ضدّاً للوجوب المسبّب عن النذر كالحرمة ، وكونها حكماً أوّليّاً للأشياء العارضة عليها كالحرمة مسلّمٌ . لكنّه
كتاب القضاء ( ط . ج ) — صفحة 455
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٤٥٥