تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
قلّة أو كرّيّة أو لا ؟ فعلى الأوّل يكون المتّبع هو الأصل الّذي يقتضيه الحالة السابقة ، فالمتّجه حينئذ الحكم بالنجاسة لاستصحاب القلّة أو الحكم بالطهارة لاستصحاب الكرّيّة . وعلى الثاني : يكون المتّبع قاعدة الطهارة بعد الحكم على الأصلين بالتساقط ، بل لا أصل في البين حينئذ لانتفاء الحالة السابقة الّتي هي من أركان الاستصحاب ، فيبقى قاعدة الطهارة المستفادة عن عموم « الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » « 1 » سليمة . وأمّا التعليل بشرطيّة الكرّيّة وشرطيّة الطهارة المشكوك فيهما فممّا لا يرجع إلى محصّل ، لأنّ الكرّيّة شرط في عدم نجاسة الماء بوقوع النجاسة فيه ، والطهارة شرط في تطهير النجس ، لكنّ الشرط إذا كان مطابقا للأصل أمكن إحرازه بالأصل ، فلم لا يحكم بأصالة الطهارة إن سلمت عن معارضة أصالة عدم الكرّيّة وتقدّمها عليها حتّى يترتّب عليه تطهير النجس ؟ ومع عدم السلامة فأصالة عدم الكرّيّة يقضي بالنجاسة فيترتّب عليها تنجّس الطاهر ، ففسد التعليل كما فسد أصل الحكم .

ومنها : ما عن ابن إدريس « 2 » الاحتجاج بالإجماع قائلا : « بأنّ إجماع أصحابنا على هذه المسألة إلّا من عرف اسمه ونسبه »

، وبقوله عليه السّلام : « إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا » « 3 » مدّعيا إجماع المؤالف والمخالف على هذه الرواية ، فإنّها عامّة لصورتي تأخّر الخبث وتقدّمه . بل عن القاموس « 4 » ونهاية ابن الأثير « 5 » أنّ معنى « لم يحمل خبثا » : لم يظهر فيه خبث ، وحينئذ يكون دلالته من باب الخصوص لا العموم ، لأنّ عدم ظهور الخبث فيه يستلزم معناه أنّه كان سابقا على البلوغ وبعده لم يظهر حكمه فيه . وبالعمومات الدالّة على طهارة الماء وجواز استعماله كقوله سبحانه :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
« 6 » وقوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا
« 7 » ؛ وقوله صلّى اللّه عليه وآله لأبي ذر : « إذا وجدت الماء فامسسه جسدك » « 8 » ، وقوله : « أمّا أنا فلا أزيد على أن أحثوا
هامش
( 1 ) الوسائل 1 : 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5 . ( 2 ) السرائر 1 : 66 . ( 3 ) مستدرك الوسائل 1 : 198 ، ب 9 ح 6 . ( 4 ) القاموس المحيط ، مادّة « حمل » 3 : 362 . ( 5 ) نهاية ابن الأثير : مادّة « حمل » 1 : 144 . ( 6 ) الأنفال : 11 . ( 7 ) المائدة : 6 . ( 8 ) هذا من حديث رواه أحمد في مسنده 5 : 146 ، وأبو داود في السنن 1 : 91 ، وروي الترمذي في جامعه 1 : 193 ، القطعة الأخيرة منه المتعلّقة بالتيمّم والغسل وروى ابن العربي في شرحه على جامع الترمذي الحديث بتمامه ، ورواه أيضا البيهقي في السنن 1 : 179 .
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام — صفحة 596 | السيد علي الموسوي القزويني / السيد علي العلوي القزويني