تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
المقتضي ، مانعا عن الأخذ بالمقتضي ، بل المقتضي في الحقيقة هو عنوان المائيّة ، فيوجد المقتضي حيثما وجد وينتفي حيثما انتفى ، والكرّيّة إنّما اعتبرت ميزانا لمعرفة أنّ الكرّ هو أقلّ مراتب ما يسلم من هذا العنوان العامّ عمّا يزاحمه في فعليّة الاقتضاء . ولو سلّم فمقتضى الجمع بين منطوق هذه الرواية ومفهومها تنوّع هذا العنوان إلى نوعين وانكشاف عدم كونه بما هو هو عنوانا في الشريعة ، بل العنوان الّذي يدور عليه الحكم إنّما هو النوعان المذكوران ، أحدهما : ما هو موضوع المنطوق وهو الماء البالغ حدّ الكرّ ، وثانيهما : ما هو موضوع المفهوم وهو الماء الغير البالغ هذا الحدّ . وقضيّة ذلك : كون المشكوك في كرّيّته كائنا ما كان مجملا مصداقيّا مردّدا بين كونه من أفراد هذا النوع ، أو ذاك النوع ومعه فكما لا يمكن إلحاقه بالنوع الأوّل فكذا لا يمكن إلحاقه بالنوع الثاني . وقضيّة ذلك لزوم الرجوع إلى الأصول العمليّة من احتياط كما صار إليه صاحب الحدائق - فيما عرفت « 1 » - بناء على مذهبه فيما لا نصّ فيه من كون المرجع فيه هو الاحتياط ، أو استصحاب للطهارة السابقة ونحوها ، لا الحكم عليه مطلقا بالانفعال إلّا فيما لو كان مسبوقا بالقلّة وشكّ في بلوغه حدّ الكرّ ، فإنّ اللازم حينئذ أن يترتّب عليه أحكام ما دون الكرّ ، عملا بالأصل الموضوعي الوارد على الأصل الحكمي كما قرّر في محلّه . وأنت خبير بأنّ موضوع المسألة لا ينحصر أفراده في مثل ذلك بل هو في الحقيقة خارج عن هذا الموضوع ؛ إذ لا أظنّ أحدا يقول في مثله بالطهارة عملا بالأصل المستفاد من العمومات ، ولا يكون ذلك من باب تخصيص العامّ بالأصل العملي حتّى يقال : بمنع ذلك عندهم ، بل المخصّص له في الحقيقة إنّما هو أدلّة انفعال القليل ، والعمل بالأصل المذكور تعميم في موضوع تلك الأدلّة بدعوى : أنّ القليل المحكوم عليه بالانفعال أعمّ من أن يكون كذلك بحسب الواقع أو بحسب الشرع ، عملا بعموم أدلّة الاستصحاب القاضية بأنّه ممّا جعله الشارع طريقا للمكلّف إلى إحراز الواقع من موضوع أو حكم ، وأقامه مقام العلم بالواقع الحاكمة على سائر الأدلّة المقتضية لاعتبار الواقع بطريق علمي ، فليتدبّر .
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة 1 : 234 .