تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
طهورا لا ينجّسه شيء ، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه » « 1 » ، وبالإنزال في قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
« 2 » ، فيكون الماهيّة بما هي هي مقتضية للطهارة ، وظاهر أنّ المقتضي ما دام لم يصادف ما يزاحمه من الموانع أو الروافع كان على اقتضائه ، والتغيير مع ملاقاة النجاسة حيثما وجدا رافعان لذلك المقتضي ، وحاجبان عن الاقتضاء ، غاية الأمر أنّ الأوّل معتبر لا بشرط شيء من الكرّيّة ولا عدمها ، والثاني معتبر بشرط القلّة . وممّا يدلّ على رافعيّة التغيّر قوله صلّى اللّه عليه وآله : « خلق اللّه الماء طهورا « 3 » الخ » ، وكما أنّ مفاد التخصيص هنا بحكم ظاهر العرف كون التغيّر رافعا ، فكذلك مفاد أدلّة انفعال القليل من المفاهيم والمناطيق الواردة في مواضع خاصّة أيضا كون الملاقاة دافعة للطهارة بشرط القلّة ، غاية الأمر أنّ التخصيص في الأوّل قد حصل بمخصّص متّصل وفي الثاني بمخصّص منفصل ، فيكون مفاد العمومات مع هذين المخصّصين - بعد الجمع بينهما - : كلّ ماء طاهر لا ينجّسه شيء ولا يرفع طهارته إلّا تغيّره بالنجاسة مطلقا ، أو ملاقاته لها بشرط القلّة . وإنّما فصّل بينهما باعتبار الأوّل مطلقا والثاني مشروطا ، لأنّ التغيّر يكشف عن تضاعف النجاسة واستيلائها على الماء بحسب المعنى ، فيضعف المقتضي ويخرج عن اقتضائه ، لعدم كون الطبيعة المائيّة علّة تامّة للطهارة حتّى لا يجامعها رافع ، وقضيّة ذلك عدم الفرق فيه بين الكثرة والقلّة ، بخلاف مجرّد الملاقاة فإنّه في التأثير لا يبلغ مرتبة التغيّر فلا يضعف به المقتضي إلّا مع انتفاء الكثرة ، ولا أنّه يخرج عن فعليّة الاقتضاء إلّا مع القلّة . وأصرح من ذلك في الدلالة على المختار ما رواه المحمّدون الثلاث بطرق متكثّرة من قولهم عليهم السّلام : « الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » « 4 » ، فإنّ تعليق الحكم بالطهارة في كلّ ماء على غاية العلم بالقذارة صريح في أنّ ما لم يعلم بقذارته كائنا ما كان محكوم عليه بالطهارة ، فلو كان الانفعال هو الأصل في موضع الشكّ لما كان لذلك وجه ، بل كان
هامش
( 1 ) السرائر 1 : 64 - الوسائل 1 : 135 ، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9 . ( 2 ) الفرقان : 48 . ( 3 ) الوسائل 1 : 135 ، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9 . ( 4 ) الوسائل 1 : 134 ، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5 - التهذيب 1 : 216 / 621 - الكافي 3 : 1 / 3 .