و « الدرهم فيه أفضل من ألفي ألف درهم فيما سواه من سبيل اللّه تعالى » « 1 » . وأنّه أفضل من الصيام والجهاد والرباط « 2 » ، بل من كلّ شئ إلّا الصلاة [ 1 ] . و [ قد ورد ] [ 2 ] أنّ أفضل الأعمال أحمزها ، وأنّ الأجر على قدر المشقّة . بل يستحب إدمان الحجّ والإكثار منه وإحجاج العيال ولو بالاستدانة أو تقليل النفقة [ 3 ] . نعم ينبغي المحافظة على صحة هذه العبادة المعظمة أوّلا بتصحيح النية [ 4 ] ، كما أنّه ينبغي التفقّه في الحج [ 5 ] .
شرح
[ 1 ] وفي الحديث : « أما أنّه ليس شيء أفضل من الحجّ إلّا الصلاة ، وفي الحجّ هنا صلاة ، وليس في الصلاة قبلكم حجّ » « 3 » بل فيه :
« أنّه أفضل من الصلاة والصيام ؛ لأنّ المصلّي يشتغل عن أهله ساعة ، وأنّ الصائم يشتغل عن أهله بياض يوم ، وأنّ الحاجّ ليشخص بدنه ويضحي نفسه وينفق ماله ويطيل الغيبة عن أهله لا في مال يرجوه ولا في تجارة » « 4 » .
[ 2 ] [ كما ] قد تطابق العقل والنقل « 5 » على [ ذلك ] .
[ 3 ] كما دلّت عليه المعتبرة المستفيضة « 6 » ، وليس ذلك إلّا لعظم هذه العبادة ، ويكفي لفاعلها أنّه يكون كيوم ولدته أمه في عدم الذنب .
[ 4 ] لأنّ الحجّ موضوع على الإعلان ، ومعدود في هذه الأعصار من أسباب الرفعة والافتخار والأبهة والاعتبار . بل هو مما يتوصّل به إلى التجارة والانتشار ومشاهدة البلدان والأمصار ، والاطلاع على أحوال الأماكن والديار ، فيخشى عليه من تطرق هذه الدواعي الفاسدة المبطلة للعمل في بعض الأحوال ، ولا خلاص من ذلك إلّا بالاخلاص ، ولا إخلاص إلّا بالخلوص من شوائب العجب والرياء ، والتجرد عن حب المدح والثناء ، وتطهير العبادات الدينية عن التلويث بالمقاصد الدنيوية ، ولا يكون ذلك إلّا باخراج حب الدنيا من القلب ، وقصر حبه على حب اللّه تعالى ، ويكون ذلك هو الداعي إلى العمل ، وهو ملاك الأمر ومدار الفضل . والطريق العلمي إليه واضح مكشوف ، ولكن عند العمل تسكب العبرات وتكثر العثرات ، ولاستدامة الفكر في أحوال الدنيا ومآلها ومزاولة علم الأخلاق الّذي هو طب النفس وعلاجها نفع بيّن في ذلك وتأثير ظاهر ، واللّه الموفق .
[ 3 ] فإنّه كثير الأجزاء جمّ المطالب وافر المقاصد ، وهو مع ذلك غير مأنوس وغير متكرر ، وأكثر الناس يأتونه على ضجر وملالة سفر ، وضيق وقت ، واشتغال قلب ، مع أنّ الناس لا يحسنون العبادات المتكررة اليومية مثل الطهارة والصلاة مع الفهم لها ومداومتهم عليها وكثرة العارفين بها ، حتى أنّ الرجل منهم يمضي عليه الخمسون سنة وأكثر ولا يحسن الوضوء فضلا عن الصلاة ، فكيف بالحجّ الّذي هو عبادة غريبة غير مألوفة ، لا عهد للمكلّف بها مع كثرة مسائلها وتشعّب أحكامها وأطولها ذيلا . وخصوصا مع انضمام الطهارة والصلاة إليها ؛ لشرطية الأولى وجزئية الثانية ، فإنّ الخطب بذلك يعظم . قال زرارة : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : جعلني اللّه فداك أسألك في الحجّ منذ أربعين عاما فتفتيني ؟ فقال : « يا زرارة بيت يحجّ قبل آدم بألفي عام تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاما » « 7 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : 114 ، 117 ، ح 3 ، 13 .
( 2 ) الوسائل 11 : 112 ، ب 41 من وجوب الحج ، ح 7 .
( 3 ) الوسائل 11 : 111 ، ب 41 من وجوب الحج ، ح 2 .
( 4 ) المصدر السابق : 112 ، ح 5 ، وفيه : « إلى تجارة » .
( 5 ) البحار 70 : 191 ، ذيل الحديث 1 .
( 6 ) انظر : الوسائل 11 : 123 ، 133 ، 140 ، 147 ، ب 45 ، 46 ، 50 ، 53 من وجوب الحجّ .
( 7 ) الوسائل 11 : 12 ، ب 1 من وجوب الحج ، ح 12 .