ومن أعظم الأسباب في ذلك التوبة والاستغفار [ 1 ] .
-
شرح
( 1 ) فإنّهما الماحيان للذنب الّذي هو السبب الأقوى في ظهور الغلاء والجدب ، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ حكايةً عن هود على نبيّنا وآله وعليه السلام : ( وَيَا قَومِ استَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِدرَاراً وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم ) ( « 1 » ) وعن نوح عليه السلام : ( فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُم مِدرَاراً * وَيُمدِدكُم بِأَموَالٍ وَبَنِينَ وَيَجعَل لَكُم جَنَّاتٍ وَيَجعَل لَكُم أَنهَاراً ) ( « 2 » ) قال لهم ذلك لمّا حبس اللَّه عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة ( « 3 » ) . وعن أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه : « إنّ اللَّه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات ، وحبس البركات ، وإغلاق طريق الخيرات ؛ ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكّر متذكّر ، ويزدجر مزدجر ، وقد جعل سبحانه الاستغفار سبباً لدرور الرزق ، ورحمةً للخلق ، فقال : ( استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) ( « 4 » ) إلى آخرها . وفي خطبة أخرى له عليه السلام أيضاً : « ولو أنّ أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعمة اللَّه وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أنّ ذلك من اللَّه جلّ ذكره بما كسبت أيديهم ، فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى اللَّه جلّ ذكره بصدق نيّاتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم ؛ لصفح لهم عن كلّ ذنب ، وإذاً لأقالهم على كلّ عثرة ، ولردّ عليهم كلّ كرامة ونعمة ، ثمّ أعاد لهم من صالح أمرهم وما كان أنعم به عليهم كلّ ما زال عنهم وفسد عليهم » ( « 5 » ) .
وعن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام : « من أعطي أربعاً لم يحرم أربعاً : من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم التوبة ، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة ، ومن أعطي الصبر لم يحرم الأجر » ( « 6 » ) ، والروايات في هذا المعنى أكثر من أن يحيط بها السبر ، فلنكتف بهذا المقدار .
وبالجملة : لا كلام في رجحان الاستسقاء إذا ظهر الجدب عند جميع المسلمين ، بل بالضرورة من الدين ، وخلاف أبي حنيفة في الصلاة لذلك خاصة ، وإلّا فقد استسقى النبيّ والأنبياء من قبله والأئمّة عليهم الصلاة والسلام من بعده وأمروا به . وقد جاء عنهم في ذلك خطب بليغة وأدعية بديعة :
1 - روى الكليني في الكافي ( « 7 » ) كما عن المجالس للشيخ ( « 8 » ) بإسنادهما عن أبي العبّاس ورزيق ( « 9 » ) الخلقاني عن أبي عبد اللّه عليه السلام - واللفظ للأوّل - قال : « أتى قوم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول اللَّه إنّ بلادنا قد قحطت وتوالت السنون علينا ، فادع اللَّه تعالى يرسل السماء ، فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالمنبر فأخرج واجتمع الناس ، فصعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ودعا وأمر الناس أن يؤمّنوا ، فلم يلبث أن هبط جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمّد أخبر الناس أنّ ربّك قد وعدهم أن يمطروا يوم كذا وكذا وساعة كذا وكذا ، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك
هامش
( 1 ) هود : 52 .
( 2 ) نوح : 10 - 12 .
( 3 ) علل الشرائع : 30 ، ح 1 .
( 4 ) المستدرك 6 : 201 ، ب 11 من صلاة الاستسقاء ، ح 3 . نهج البلاغة : 199 ، الخطبة 143 ، وفيه : « خزائن » بدل « طريق » .
( 5 ) الكافي 8 : 256 ، ح 368 .
( 6 ) الوسائل 7 : 28 ، ب 2 من الدعاء ، ح 16 .
( 7 ) الكافي 8 : 217 ، ح 266 . الوسائل 8 : 7 ، 15 ، ب 1 ، 9 من صلاة الاستسقاء ، 4 ، 1 .
( 8 ) أمالي الطوسي : 697 ، ح 1488 . المستدرك 6 : 184 ، ب 1 من صلاة الاستسقاء ، ح 7 .
( 9 ) فيه اختلاف في المصادر إن شئت فراجع .