تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 11

مساهمون:

ص١١

[ الصلاة شرعاً ] :

وأمّا شرعاً فقد ذكروا لها تعريفات متعدّدة لا فائدة في التعرّض لها ( 1 ) . وإن أبيت إلّا التعريف فالأولى تعريفها بأنّها العبادة التي اعتبر الشارع في افتتاحها التكبير أو بدله ، واختتامها التسليم أو بدله ، وإن كنت لا أضمن عدم ورود شيء عليه . وعلى كلّ حال ، فهي بهذا المعنى أمر شرعي لا مدخليّة للّغة فيه ، وأنّى وأهل اللغة وهذا المعنى ! إنّما البحث في أنّها حقيقة شرعيّة أو مجاز ، وقد فرغنا من ذلك في الأصول وذكرنا أنّ الحقّ الأوّل ( 2 ) .
شرح
( 1 ) ولقد أجاد في المدارك حيث قال : « هي أشهر من أن يتوقّف معناها على التعريف اللفظي » « 1 » ، وهو كذلك . على أنّه لا يكاد يسلم شيء منها عن نقض في طرده أو عكسه ، أو اشتماله على ما يخرجه عن قياس التعاريف ، بل لعلّ ذلك كالمتعسّر ؛ باعتبار اختلاف أحوالها بالنسبة للمختار والمضطرّ والصحيح والسقيم ، فتارةً تكون أقوالًا محضة ، وأخرى أفعالًا كذلك ، وأخرى تجمعهما ، ولكلّ من الأحوال الثلاثة أحوال أيضاً . ( 2 ) وذِكرُ بعض أهل اللغة لهذا المعنى في سلك ما ذكر من المعاني لهذا اللفظ لا يقتضي الوضع له لغةً ، بعد أن جرت عادتهم - أو الأكثر منهم - على عدم الاقتصار على ذكر الحقائق اللغويّة ، بل يذكرون كلّ ما يستعمل فيه اللفظ وإن كان مجازاً . على أنّ من المحتمل كون ذكرهم لهذا المعنى - وإن كان هو حقيقة شرعيّة - باعتبار أنّ أهل الشرع من أهل اللغة أيضاً ومن العرب الفصحاء ، فحينئذٍ تندرج بهذا الاعتبار في الحقائق اللغويّة ؛ إذ جعل خصوص الوضع عندهم حقيقة شرعيّة إنّما هو مجرّد اصطلاح حادث لا يجب جريان كتب اللغة عليه ، خصوصاً إذا قلنا : إنّ لفظ الصلاة والحج ونحوهما موضوعة لمعان شرعيّة قبل زمن شرعنا ؛ ضرورة وجود الصلاة والحج وغيرهما عند اليهود والنصارى وغيرهما من كفّار العرب ، على وجه يسمّونه بهذه الأسماء في لغة العرب ، كما أنّه يسمّونه بغيرها بالفارسيّة ونحوها ، فهي حقائق في عباداتهم قبل زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو إنّما غيّر بعض أجزاء عباداتهم أو أكثرها ، وذلك لا يقتضي تغيّر الاستعمال بحسب الحقيقة ، كما هو الشأن في المعاملات ، وكأنّه مال إلى ذلك الأستاذ الأكبر فيما حكي من حاشيته على المدارك 2 . وفيه : - بعد تسليم قِدَم تسمية تلك العبادات بهذه الأسماء منهم ، وأنّ لهم عبادات معتبرة لا أنّها مكاء وتصدية - أنّه لا يخفى على المطّلع عليهما كمال التباين بينهما ، بحيث يقطع بعدم إرادة المعنى القديم منها في هذا الاستعمال ، وبنقلها من ذلك المعنى إلى معنى جديد وإن اشتركا في أنّهما عبادة ، كما هو واضح . كوضوح المناسبة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي بناءً على أنّه الدعاء ، أو ما ذكرناه من طلب الخير وإرادته وإن لم يكن بعنوان الدعاء ؛ لاشتماله على كلٍّ منهما . ولو قيل : إنّه منقول منها بمعنى المتابعة اختصّت المناسبة حينئذٍ ببعض أفرادها ، إلّا أن يلاحظ ، أو يراد تتابع الأجزاء . وهو كما ترى . وأبعد منه ما قيل عن الجمهرة عن بعضهم : « إنّ اشتقاقها من رفع الصَّلا في السجود ، وهو العظم الذي عليه الأليتان ، فهي فعلة من بنات الواو » « 3 » ، وإن كان ربّما يؤيّده تعارف كتابتها به ، إلّا أنّه قد يقال - كما عن البيضاوي - : « كتبت بالواو على لفظ المفخم » « 4 » ، أي من يميل الألف إلى مخرج الواو . ومثله في البُعد ما عن الجمهرة عن ذلك البعض : « إنّ اشتقاقها من صليت العود بالنار أي ليّنته ؛ لأنّ المصلّي يلين قلبه وأعضاؤه مخشوعة ، من بنات الياء » ، بل في الذكرى نسبة ذلك وسابقه إلى أهل اللغة ، قال : « جعلوها فعلة من صلّى أي حرّك صلويه ؛ لأنّ المصلّي يفعل ذلك ، أو من صليت العود ، أي : ليّنته » « 5 » . ولا يخفى عليك ما فيه ، وأنّا في غنية عنه .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 المدارك 3 : 6 . حاشية المدارك 1 : 287 . ( 3 ) جامع المقاصد 2 : 5 - 6 . ( 4 ) تفسير البيضاوي 1 : 18 . ( 5 ) الذكرى 1 : 65 .