. . . . . . . . . .
شرح
ولقد أجاد المحقّق الشيخ حسن في المنتقى على ما نقل عنه حيث اقتصر عليها في أدلّة النجاسة « 1 » . وفيها تصديق لما رواه الشيخان في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن - الذي هو ممّن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه ، وأقرّوا له بالفقه والعلم - عن بعض من رواه عن أبي عبد اللّه عليه السلام ، قال : « إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله إن عرفت موضعه ، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه ، فإن صلّيت فيه فأعد صلاتك » « 2 » . إذ الظاهر أنّ الرواية المأمور بأخذها هي هذه ؛ لمطابقة متنها له واتّحاد المروي عنه فيهما .
ولقد قصر الكلام بعد ما عرفت عن إبداء العجب من هؤلاء المتأخّرين في تشكيكهم بهذا الحكم المجمع عليه بين الأساطين ، بل بين علماء المسلمين ، بل كاد أن يكون ضروري مذهب أو دين ، وإن كان أوّل من جرّأهم عليه المصنّف في المعتبر « 3 » .
وكيف لا يزداد العجب ؟ ! ولا معارض إلّا ما سمعته من تلك الأخبار الواجبة للطرح أو التأويل أو الحمل على التقيّة من بعض 6 / 10 / 16
المخالفين سيّما من ربيعة الرأي ؛ إذ هو على ما قيل « 4 » من فقهاء المدينة وشيوخ مالك وكان في عصر الصادق عليه السلام فلا غرو أن يتّقى منه ، خصوصاً مع ملائمته لطباع السلاطين وذي الشوكة من امراء بني اميّة وبني العبّاس المولعين بشربها المتهالكين عليه ، حتى أنّهم ربّما حاولوا دفع التحريم عنه كما يشير إليه حديث المهدي العبّاسي مع الكاظم عليه السلام « 5 » . والتظاهر بنجاستها تقذير عليهم وتنجيس لهم بشربها ومزاولتها ، بل ربّما نقل عن بعضهم أنّه كان يؤمّ الناس وهو سكران فضلًا عن تلوّثه وثيابه بها . على أنّ الرمي بالنجاسة من أشدّ ما يكره على الطبع وأعظم ما يرد على النفس ، ولا كذلك التحريم ، خصوصاً بالقياس إلى السلاطين الذين لا يتحاشون عن المحرّمات .
واشتهار الفتوى بالنجاسة بين علمائهم لا ينافي ذلك [ حمل أخبار طهارة الخمر والمسكر على التقيّة ] ؛ إذ لم يكن عليهم فيه تقيّة ، بل كانوا يتظاهرون بخلاف ما هم عليه ، ويجاهدونهم بالردّ والكفاح ولا يراقبونهم في ذلك . بل كان ذو الشوكة منهم يتحمّله ولا يبالي به ؛ لعلمه بأنّ ذلك لا يحدث فتقاً في سلطانه ، ولا يهدم ركناً في بنيانه ؛ إذ لم يكن فيهم من يرشّح نفسه للإمامة والخلافة الكبرى والرئاسة العظمى .
إنّما كانت التقيّة على أئمّة الحقّ عليهم السلام المحسودين للخلق ، وهم الذين لا يدانيهم في الفضل أحد ، والذين ورد عليهم من حسد أئمّة الجور ما قد ورد .
فما توهّمه بعض الفضلاء « 6 » - من أنّ تقيّة السلاطين لو اقتضت الحكم بالطهارة لكان أولى الناس بها فقهاء العامّة ؛ لشدّة مخالطتهم إيّاهم وعكوفهم لديهم ، مع أنّ معظمهم على النجاسة - في غير محلّه كما عرفت .
هامش
( 1 ) منتقى الجمان 1 : 86 .
( 2 ) الكافي 3 : 405 ، ح 4 . التهذيب 1 : 278 ، ح 818 . الوسائل 3 : 469 ، ب 38 من النجاسات ، ح 3 .
( 3 ) المعتبر 1 : 424 .
( 4 ) مصابيح الأحكام : 291 .
( 5 ) الوسائل 25 : 301 ، ب 9 من الأشربة المحرّمة ، ح 13 .
( 6 ) الذخيرة : 154 .