فالأقوى إلحاقه بالمحقون مطلقاً جرى أو لم يجرِ [ قليلًا كان أو كثيراً ] « 1 » ( 1 ) ، [ وفيه وجه سيأتي ] .
[ البئر الرشيحيّة ] :
[ وأمّا البئر التي يخرج ماؤها رشحاً ] فالتحقيق : إجراء حكم البئر عليها مع الصدق عرفاً وإن كان الخارج رشحاً ، أمّا إذا لم يصدق عرفاً - لقلّة الحفر ونحوه - فهو من ذي المادة إن لم يجرِ ، وإلّا كان جارياً أيضاً ، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً . [ وقد يقال : إنّ المياه طاهرة مطهّرة لا تنجس إلّا بالتغيّر ما لم يعلم عدم المادّة لها ] ( 2 ) ، وحينئذٍ يتّجه إلحاق الرشح والنزيز بل والثمد بحكم الجاري أو ذي المادة ولو مع الشكّ ( 3 ) .
ولا فرق فيما ذكرنا من الجاري بين جميع أنواعه من الأنهار والعيون والآبار إذا أجريت ، وتسمّى القناة .
شرح
( 1 ) 1 - للاستصحاب .
2 - مع الظنّ أو القطع بعدم شمول ذي المادة له ، لا أقلّ من الشكّ ، فيبقى على حكم المحقون من القليل أو الكثير . اللّهمّ إلّا أن يفرض كونه على وجه يصدق ذو المادة عليه ، أو يقال : إنّه مطلقاً من ذي المادة أو بحكمه ولو مع الشكّ ، كما ستعرف . فإن قلت : ما تقول في البئر الذي يخرج ماؤها رشحاً ، فهل تجري عليها أحكام البئر ؟ !
قلت : الظاهر فيه الوجهان الناشئان من تفسير النبع ، لما ستعرف أنّ البئر هي الماء النابع ، على أنّه قلّما يوجد بئر ماؤها رشح ، بل الغالب أن تخرج من منابع .
نعم ، قد تتّفق دفاقاً تشتبه بالرشيح ، فلا تشملها إطلاقات البئر [ فيقوى الأوّل حينئذٍ ] 2 . ويؤيّده أيضاً أصالة عدم لحوق أحكام البئر . وإليه ينظر ما نقله صاحب الحدائق عن والده من عدم تطهير الآبار التي في بعض البلدان بالنزح بل بإلقاء كرٍّ ؛ لأنّ ماءها يخرج رشحاً « 3 » . لكن قد عرفت أنّ النبع أعمّ من الرشح ، بل قيل : الغالب في الآبار ، الرشح « 4 » .
( 2 ) وقد يقال : إنّ عموم الأدلّة في المياه يقتضي كونها طاهرة مطهّرة لا تنجس إلّا بالتغيّر ، والتفصيل بالكرّ وما دونه إنّما هو في المياه المعلوم عدم المادة لها ، كالحياض والغدران ونحوهما ؛ ولذا كان المشهور عدم اعتبار الكرّية في الجاري ، بل وفي كلّ ذي مادة .
( 3 ) للعموم المزبور الذي يمكن أن يؤيّد أيضاً بقاعدة الطهارة مع فرض الشكّ في حكمه ؛ للشكّ في اندراجه فيما دلّ على النجاسة أو التنجيس لمثل الموضوع المزبور ، فتأمّل جيّداً . ولكن من الغريب ما عن الشيخين في المقنعة والتهذيب « 5 » من تسوية الأوّل بين البئر والغدير إن قصر عن الكرّ ، فحكم بنجاستهما بموت الإنسان وطهارتهما بنزح السبعين . وحمله الشيخ على الغدير الذي له مادة بالنبع من الأرض ، قال : « وما هذا سبيله فحكمه حكم الآبار ، فأمّا إذا لم يكن له مادة فلا يجوز استعماله إذا وقع فيه ما ينجّسه متى نقص عن الكرّ » .
ومقتضى ذلك : طهارة ذي المادة غير البئر مع الكثرة ، ولحوقه بالبئر مع القلّة ، فيكون حكمه مخالفاً لسائر المياه ؛ لمفارقته الجاري في نجاسة القليل ، والبئر في طهارة الكثير ، والراكد في طهارة قليله بالنزح . بل قيل : « قد يظهر من كلام الشيخ لحوقه بالبئر مطلقاً » 6 . وعلى كلّ حال ، فهو قول غريب ، هذا وربّما يأتي لذلك مزيد تحقيق إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) 1 ، 2 ما بين المعقوفين من الحجرية .
( 3 ) الحدائق 1 : 172 .
( 4 ) 4 ، 6 مصابيح الأحكام : 60 .
( 5 ) المقنعة : 66 . التهذيب 1 : 234 .