وحكى طاب ثراه عن السهيليّ « 1 » من علماء العامّة أنّه قال :
بُنيت الكعبة في الدهر خمس مرّات :
الأولى : حين بناها شيث بن آدم عليهما السلام وكانت في حياة آدم خيمة من لؤلؤة حمراء ، يطوف بها ويأنس إليها ؛ لأنّها من الجنّة .
الثانية : حين بناها إبراهيم عليه السلام .
الثالثة : حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام .
والرابعة : حين احترقت أيّام ابن الزبير بشرر طارت إليها من أبي قبيس ، فاحترقت الأستار فأحرقت البيت ، فهدمها ابن الزبير وبناها على خلاف ما كانت عليه .
الخامسة : لمّا قدم عبد الملك مكّة قال : لسنا من تخليط أبي خُبيب « 2 » في شيء ، فهدمها وردّها على ما كانت عليه ، ثمّ ندم على ذلك وقال : يا ليتني تركت أبا خُبيب وما تحمّل ، فلمّا قدم أبو جعفر [ المنصور ] أراد ردّها على ما بناها ابن الزبير ، وشاور في ذلك ، فقال له مالك : أنشدك اللَّه يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك ، لا يشاء أحد منهم أن يغيّره إلّا غيّره ، فيذهب هيبته من قلوب الناس ، فصرفه عن رأيه . « 3 » انتهى .
وأمّا أرضها المقدّسة فقد خلقها اللَّه قبل دحو الأرض بألفي عام على ما سيرويه المصنّف قدس سره في باب ابتلاء الخلق واختبارهم بالكعبة . « 4 » وحكى طاب ثراه عن بعض المفسّرين أنّها خلقت قبل السماوات والأرض ، فإنّها كانت زبداً على الماء ، ثمّ دُحيت الأرض من تحتها « 5 » ولذا سمّيت امّ القرى .
هامش
( 1 ) . السهيلي هو أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد الخثعمي ، ولد في مالقة سنة 508 ه ق وكفّ بصره وعمره سبع عشرة سنة ، نشأ ببلدته ، وكان مؤرّخاً محدّثاً أدبياً ، أخَذَ عن ابن العربي وغيره ، واتّصل خبره إلى صاحب مراكش فطلبه إليها وأكرمه ، فأقام يصنّف كتبه إلى أن توفّي سنة 581 ه ق ، من كتبه : الروض الأنف في شرح السيرة النبويّة لابن هشام ، تفسير سورة يوسف ، التعريف والإعلام ، الإيضاح والتبيين ، نتائج الفكر . راجع : الأعلام للزركلي ، ج 3 ، ص 313 ، معجم المؤلّفين ، ج 5 ، ص 147 .
( 2 ) . أبو خبيب كنية لعبد اللَّه بن الزبير .
( 3 ) . الروض الأنف ، ج 1 ، ص 221 - 222 ، حديث بنيان الكعبة .
( 4 ) . هو الحديث الأوّل من ذلك الباب .
( 5 ) . تفسير الرازي ، ج 8 ، ص 153 عن السدّي ؛ وج 4 ، ص 55 عن ابن عمر ؛ تفسير البغوي ، ج 1 ، ص 115 و 328 عن ابن عمر وقتادة السدّى . وفي الجميع : « قبل الأرض » ، وفي الكشّاف ، ج 1 ، ص 446 : « عند خلق السماء والأرض خلقه قبل الأرض بألفي عام . . . » . ومثله في مجمع البيان ، ج 2 ، ص 347 - 348 .