قال طاب ثراه :
عذاب القبر واقع إجماعاً من أهل العلم ، إلّا من شذّ من طائفة من متأخّري المعتزلة حيث أنكروه « 1 » وقالوا كون الميّت يقام ويقعد ولا يرى ، ويخاطب ويصيح ولا يسمع خلاف الحسّ ، وهذا مثل أن يقال في هذا المقام : أعمدة وفساطيط مغنّيات ، ولا يرى ولا يسمع ، فإنّ الحسّ يكذّبها .
ولو وضع الميّت في القبر على وضع مخصوص وطرح عليه شيء من التراب ونحوه ، ثمّ يكشف عنه يرى على ذلك الوضع بعينه والتراب باقٍ بحاله ، فدلّ ذلك على أنّه لم يتحرّك ، ولم يقم ، ولم يقعد ، ولم يخاطب ، ولم يعاتب ، والقول بخلاف ذلك ممّا يكذّبه الرؤية ولا يقبله الرؤية .
والجواب عنه : أنّ الحكمة الإلهية مقتضية لاختفاء أحوالات البرزخ عن العيون والأبصار ؛ إبقاءً لأساس الاختيار وعدم هدمه بشائبة الإجبار .
وبالجملة ، هذه الأبصار الفاترة والعيون الباترة لا تعلّق لهما بما في النشأة الآخرة ، كما أنّه لا تعلّق لهما بما هو في عالم الملكوت ، ولذلك قيل : ليس عدم إدراك الشيء إدراكاً لعدمه ، فإذا أخبر به المخبر الصادق جزمنا به وقلنا سمعاً وطاعة .
قوله في خبر أبي جميلة : ( حميت عنهم ) إلخ . [ ح 2 / 4692 ]
يقال : حميته وحميت عنه حماية ، أي دفعت الضرّ عنه . « 2 » وحريبة الرجل : ماله الّذي يعيش به . « 3 » وفي القاموس : « ثوى بالمكان : أطال الإقامة به ، أو نزل » . « 4 » ويؤيّد الثاني إضافة الطول
هامش
( 1 ) . عمدة القاري ، ج 3 ، ص 118 ، حكى عن القاضي عبد الجبّار في كتاب الطبقات أنّه إنّما أوّلًا ضرار بن عمر من أصحاب واصل بن عطاء ، ثمّ قال : « المعتزلة رجلان : أحدهما يجوز ذلك كما وردت به الأخبار . والثاني يقطع بذلك ، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك » .
( 2 ) . انظر : صحاح اللغة ، ج 6 ، ص 2319 ( حمي ) .
( 3 ) . صحاح اللغة ، ج 1 ، ص 108 ( حرب ) .
( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 429 ( ثوي ) .