[ 218 ]
[ 3 ]
مسألة [ حكم المشهور ببطلان صلاة من شكّ في عدد ركعات الصلاة الثنائيّة والثلاثيّة والأوليين من الرباعيّة أو لم يدر كم صلّى ]
من شكّ في عدد ركعات الصلاة الواجبة الثنائيّة أو الثلاثيّة ، أو الأوّلين من الرباعيّة ، أو لم يدر كم صلّى مطلقاً ، بطلت صلاته على المشهور بين الأصحاب . بل قال في المنتهى « 1 » أنّه قول علمائنا أجمع إلّا ابن بابويه « 2 » ؛ فإنّه
هامش
( 1 ) . المنتهى ، ج 7 ، ص 19 .
( 2 ) . قال في الفقيه ( ج 1 ، ص 351 ، ذيل الحديث 1024 ) :
« هذه الأخبار ليست بمختلفة ، وصاحب السهو بالخيار ؛ بأيّهما أخذ فهو مصيب » .
قال صاحب الحدائق ( ج 9 ، ص : 192 ) :
« نقل الأصحاب من العلّامة فمن بعده عن الصدوق هنا أيضاً القول بجواز البناء على الأقل ؛ قال العلّامة في المنتهى والشهيد في الذكرى أنّه قول علمائنا أجمع إلّا أبا جعفر بابويه فإنّه قال : لو شكَ بين الركعة والركعتين فله البناء على الأقل . وتناقل هذه العبارة عن الصدوق جملة من تأخّر عنهم كصاحب المدارك وغيره مع أنّا لم نقف عليها في كلامه ، بل الموجود فيه ما يخالفها ويطابق القول المشهور » .
وقال صاحب الجواهر ( ج 12 ، ص 328 ) :
« لم أعرف أحداً نسب الخلاف فيه إلى أحد منّا قبل المنتهى ؛ فحكى الإجماع عليه ممّن عدا أبي جعفر محمّد بن بابويه » .
وقال صاحب مفتاح الكرامة ( ج 9 ، ص ، 322 ) :
« وما نسبوه إلى الصدوق من الخلاف إنّما فهموه منه في « الفقيه » . . . . . وقال في « المقنع » وروي : « ابنِ على ركعة » ولم يتعرّض لذلكَ في الهداية . وأمّا « الفقيه » فقد أنكر الأستاذ دام ظلّه في « مصابيح الظلام » أنّه مخالف فيه » .
قال المحقّق البهبهاني في مصابيح الظلام ( ج 9 ، ص 185 ) :
« نسبة هذا الخلاف إليه لعلّه وهم ، نشأ من عدم التدبّر فيما ذكره في « الفقيه » ، والمتوهّم هو العلّامة ، وتبعه الشهيد في « الذكرى » غفلة ، لما عرفت من أنّ الصدوق قال في أماليه : إنّ من دين الإماميّة - بحيث يجب الإقرار به - أنّ من شكَ في الأوليين أو في المغرب أعاد ، ومن شكَ في الأخيرتين بنى على الأكثر وأتمّ ما ظنّ أنّه نقصه .
ومع ذلكَ قال في « الفقيه » : من سها في الركعتين الأوّلتين من كلّ صلاة فعليه الإعادة ، ومن شكَ في المغرب فعليه الإعادة ، ومن شكَ في الفجر فعليه الإعادة ، ومن شكَ في الجمعة فعليه الإعادة ، ومن شكَ في الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة أخذ بالأكثر . إلى أن قال : ومعنى الخبر الذي روي : « أنّ الفقيه لا يعيد الصلاة » إنّما هو في الثلاث والأربع لا في الأوّلتين .
انظر ! إلى ما فيه من التصريح والتوضيح والتأكيد ، ودفع توهّم ما عسى أن يتوهّم متوهّم ، ثمّ التأكيد بعد ذلكَ أيضا بقوله : لا في الأوّلتين . ثمّ شرع في ذكر سجدتي السهو وأحكامها ، وفي حكم الشك في أجزاء الصلاة وما فيه من التطويل ، وذكر فيما بينها رواية عامر بن جذاعة . . . ، ثمّ قال : وليست هذه الأخبار بمختلفة ، وصاحب السهو بالخيار بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب .
قال : وروي عن إسحاق بن عمّار أنّه قال : قال الكاظم عليه السّلام : « إذا شككت فابن على اليقين » ، قال : قلت : هذا أصل ؟ قال : « نعم » . ثمّ ذكر بعد ذلكَ بغير فصل يعتدّ به : « ليس في المغرب سهو ، ولا في الفجر سهو ، ولا في الركعتين الأوليين من كلّ صلاة سهو » .
ولو كان رجع عمّا أسّس ومهّد وقرّر وأكّد أوّلا ، فلا معنى لأن يذكر بعده بلا فصل يعتدّ به ، هذه العبارة التي هي بعينها عين ما أسّس أوّلا ، وجعل من دين الإماميّة إلى أن يجب الإقرار به ، فكيف يكون يخالف بهذا النحو الشنيع في حكمين : حكمه ببطلان الصلاة في الأوليين وحكمه بالبناء على الأكثر ، وغير ذلكَ ممّا ذكرنا في حكم الشك بين الأربع والخمس .
مع أنّه لم يذكر ما يدلّ على الرجوع والبناء على تجويز البناء على الأقلّ مطلقاً لأنّه ؛ لم يتعرّض إلّا لحكم من لا يدري اثنتين صلّى أم ثلاثا أم أربعا ليس إلّا ، ولم يذكر الأخبار المختلفة إلّا للصورة المذكورة .
ثمّ قال : وليست هذه الأخبار بمختلفة ، وأنّ من أخذ بأيّ خبر من هذه الأخبار المذكورة فهو مصيب ، وأين هذا ممّا توهّم ؟ وبينهما بون بعيد وتفاوت في غاية الظهور . وقوله « هذه » في قوله : « وليست هذه الأخبار بمختلفة » لا يجوز أن يكون إشارة إلّا إلى هذه الأخبار المذكورة المختلفة ، إذ ليست أخبار مختلفة ذكرت سوى هذه ، وهذه الأخبار لا ربط لها أصلا ورأسا بما توهّم ، سيّما رواية علي بن أبي حمزة . . . . ويكون مراد الصدوق من ذكر رواية عليّ بن أبي حمزة إظهار كون الاحتمالات الكثيرة في شكَ واحد كثرة الشك أو في حكمها ، في عدم الاعتداد به احتمالا .
ويكون الأخبار المختلفة التي ذكر أنّه بأيّ خبر منها أخذ فهو مصيب إنّما هي في الشك بين الواحدة والثنتين والثلاث والأربع ، الذي قال المعصوم عليه السلام فيه : « كلّ ذا ؟ » وقال الراوي : تلبّس عليه صلاته ، ويكون الشك بين الثنتين والثلاث والأربع له حكم واحد لا غير ، وهو ما في رواية أبي إبراهيم عليه السلام .
وكيف كان لا ربط لما ذكره بما توهّموا ، سيّما وأن يخرب جميع ما ذكره في « الأمالي » وما ذكره في « الفقيه » أوّلا ، وما ذكره بعيد ذلكَ ، بل عرفت أنّه لا معنى له ولا يجوز أصلا ورأسا .
فإن قلت : ليس ما ذكرت منشأ توهّمهم ، بل ذكر رواية إسحاق منشأ توهّم العلّامة ومن تبعه ، لما ذكر في أوّل كتابه من أنّ كلّما ذكر فيه يحكم بصحّته ويفتي به ، ويجعله حجّة بينه وبين ربّه .
قلت : كلام « المنتهى » صريح في جعل رواية سهل مذهب الصدوق ، ومستنده في حكمه بالتخيير » . انتهى كلام المحقّق البهبهاني ؛ فتدبّر جيّداً .