وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
« 1 » وهذه إشارة إلى المحاسبة على ما مضى من الأعمال ، وورد في الخبر : « ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات : ساعة يحاسب فيها نفسه . . . » « 2 » .
وفي ( مصباح الشريعة ) عن الصادق عليه السّلام قال : « لو لم يكن للحساب مهولة الأحياء العرض على اللّه عزّ وجلّ وفضيحة هتك الستر على المخفيّات ، يحقّ للمرء ألا يهبط من رؤوس الجبال ، ولا يأوي على عمران ، ولا يشرب ولا ينام ، إلّا عن اضطرار متّصل بالتلف ، ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وشدائدها قائمة في كلّ نفس ، ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبّار حينئذ ، يأخذ نفسه بالمحاسبة كأنّه إلى عرصاتها مدعوّ ، وفي غمراتها مسؤول ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
» « 3 » انتهى كلامه عليه صلوات اللّه وسلامه .
ومعنى المحاسبة أن يطالب نفسه أولا بالفرائض التي هي بمنزلة رأس ماله ، فإن أدّتها على وجهها شكر اللّه عزّ وجلّ عليه ورغّبها في مثلها ، وإن فوّتتها من أصلها طالبها بالقضاء ، فإن أدّتها ناقصة كلّفها الجبران بالنوافل ، وإن ارتكبت معصية اشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها ، واستوفى منها ما يتدارك به ما فرّط ، كما يصنع التاجر بشريكه ، وكما أنّه يفتّش في حساب الدنيا عن الحبّة والقيراط ، فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها ، فينبغي أن يتّقي غائلة النفس ومكرها ، فإنّها خدّاعة ملبّسة مكّارة ، فليطالبها أوّلا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلّم به طول نهاره ، وليتكفّل بنفسه من الحساب ما سيتولّاه غيره في صعيد القيامة ، وهكذا عن نظره ، بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه ، حتى عن سكوته أنّه لم سكت وعن سكونه أنّه لم سكن .
فإذا عرف مجموع الواجب على النفس ، وصحّ عنده قدر ما أدّى الحقّ فيه ، كان ذلك القدر محسوبا له ، فيظهر له الباقي عليها ، فليثبّته عليها ، وليكتب على صحيفة قلبه ، كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه وعلى جريدته ، ثم النفس غريم يمكن أن يستوفي منها الديون ، أمّا بعضها فبالغرامة والضّمان ، وبعضها يردّ عينه ، وبعضها بالعقوبة لها على ذلك ، ولا يمكن شيء من ذلك إلّا بعد تحقيق الحساب ، وتمييز الباقي من الحقّ الواجب عليها ، فإذا حصل ذلك اشتغل
هامش
( 1 ) . الحشر ( 59 ) : 18 .
( 2 ) . البحار 1 : 88 / 13 .
( 3 ) . مصباح الشريعة : 58 / 1 والآية من سورة الأنبياء 21 : 47 .