الفصل الخامس : في اللواحق
مسألة 1104 : قد بيّنّا أنّ الصلح يصحّ عن الإنكار كما يصحّ عن الإقرار .
وخالف فيه الشافعي ومَنَع من صحّة الصلح عن الإنكار « 1 » . وقد سلف « 2 » دليله وضعفه .
وربما احتجّ بعضهم : بقوله عليه السلام : « الصلح بين المسلمين جائز إلّا صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالًا » « 3 » وهذا الصلح قد أحلّ الحرام ؛ لأنّه لم يكن له أن يأخذ من مال المدّعى عليه وقد حلّ بالصلح « 4 » .
وهو ضعيف ؛ لأنّ المعنى الذي ذكروه آتٍ في الصلح بمعنى البيع ؛ لأنّه يحلّ لكلّ واحدٍ منهما ما كان محرَّماً عليه ، وكذا الصلح بمعنى الهبة ، فإنّه يحلّ للموهوب له ما كان محرَّماً عليه ، والإسقاط يحلّ له ترك أداء ما كان واجباً عليه .
ولأنّ الصلح الصحيح هو الذي يحلّل ما كان حراماً لولاه ، كغيره من العقود ، والصلح الفاسد لا يحلّ به الحرام ، والمراد المنع من صلحٍ يتوصّل به إلى تناول المحرَّم مع بقائه بعد الصلح على تحريمه ، كما لو صالحه على استرقاق حُرٍّ أو شرب خمرٍ ، أو إذا كان المدّعي كاذباً في دعواه أو المنكر في إنكاره ، ويتوصّل الكاذب إلى أخذ المال بالصلح من غير رضا الآخَر باطناً ، فإنّه صلحٌ باطل .
هامش
( 1 ) راجع الهامش ( 1 ) من ص 26 .
( 2 ) في ص 26 .
( 3 ) تقدّم تخريجه في الهامش ( 3 ) من ص 5 .
( 4 ) راجع المغني والشرح الكبير 5 : 10 ، والبيان 6 : 226 .