على ذلك ثم أمره أن يدعو فدعا له بنى عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا منهم عشرة يأكل كل رجل منهم الجعة ويشرب الفوق فأتاه بهم فقدم إليهم ذلك الطعام فأكلوا حتى صدوا عنه وهو بحاله وشربوا جميعا من ذلك العس اللبن حتى ارتووا ، وبقي بحاله فتعجبوا من ذلك وقالوا سحرنا محمد في هذا الطعام والشراب ، فقال لهم رسول اللّه ( صلع ) يا بنى عبد المطلب إن اللّه عز وجل لم يبعث نبيّا إلا جعل له من أهل بيته وزيرا فأيكم يؤازرني على هذا الأمر فلم يجبه أحد منهم ، فقال يا بنى عبد المطلب أطيعونى تكونوا ملوك الأرض وحكامها فأعرضوا عنه فجعل يعرض ذلك عليهم رجلا رجلا فلم يجبه أحد منهم حتى انتهى إلى علي صلوات اللّه عليه في آخرهم وكان أحدثهم سنّا فقال : نعم يا رسول اللّه أنا أفعل ذلك ، فقال له : أنت وزيري في حياتي وخليفتي بعد وفاتي ، وقال لجماعة بنى عبد المطلب قد أوجبت عليكم له السمع والطاعة له فانصرفوا يستهزءون ويقولون لأبى طالب قد أمرك ابن أخيك بطاعة ابنك فصار يومئذ بابا لرسول اللّه ( صلع ) ووزيرا له وأقبل عليه بعلم الوزارة الّذي يجب له وذلك مثل اللبن الّذي به يقوى المولود ومعنى ابن لبون لأنه قد صار بمنزلة الرضيع من لبن أمه وذلك حد جليل من حدود العلم أجل مما كان عنده قبل ذلك ، وذلك مثل بنت لبون في الزكاة في الظاهر في صدقة الإبل الواجبة فيما زاد على خمس وثلاثين من الإبل .
ويتلو ذلك ما جاء في كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد صلى اللّه عليه أنّ الإبل إذا بلغت خمسا وأربعين فزادت واحدة فما فوقها ففيها حقة ، والحقة التي قد أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة واستحقت أن تحمل عليها الحمل والفحل ومن ذلك قيل حقة طروقة الفحل وهذا هو الواجب في الظاهر في صدقة الإبل ومثله في التأويل الباطن مثل إخوة الناطق وذلك أنه ينصب أخا يشركه في أمره ، كما قال موسى عليه السلام فيما حكاه عز وجل عنه في القرآن :
« وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي »
« 1 » ولما أمد اللّه عز وجل نبيه محمدا صلى اللّه عليه بما أوجب ذلك من العلم ولم يأته الأمر بذلك قال فيما روى عنه ( صلع ) : أقول كما قال أخي موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمرى وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أخي اشدد به أزرى وأشركه في أمرى ، فأمره اللّه
هامش
( 1 ) سورة طه : 29 - 32 .