ومن ذلك قول اللّه جل من قائل :
« وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ »
« 1 » ، فمثل ألبانها الخارجة من بطونها كما قال اللّه جل ذكره مثل العلم الباطن الّذي هو عند أولياء اللّه الذين جعلها دلائل عليهم وأمثالا لهم وما يكون منها كما يكون منهم ومما فيها من أمثالها أن أبوالها وأوراثها طاهرة لا تنجس ما أصابته ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن مثل الروث مثل الشرك ومثل البول مثل الشك ولذلك كانا نجسين من غير هذه الأصناف الثلاثة من الأنعام مما لا يؤكل لحمه فكان تأويل ذلك لأنه لا شرك ولا شك في أمثالها . ومن ذلك أن جلودها طاهرة تلبس ويصلى فيها وعليها إذا كانت زكية ، وقد ذكرنا أن مثل الجلود مثل الظاهر فكان تأويل ذلك أن ظاهر أمثالها طاهر زكى مما يجب وينبغي العمل به واستعماله في دعوة الحق ، وقد قال اللّه جل من قائل :
« وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ ، وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ »
« 2 » ؛ فأمثال البيوت في الباطن أولياء اللّه وأسبابهم الذين أقاموهم لصلاح عبادهم ، إليهم يأوى المؤمنون على طبقاتهم كل طبقة منهم إلى من أقيم لهم ، ومن ذلك قول اللّه جل من قائل :
« وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها »
« 3 » تأويله ألا يؤتى أحد منهم إلا من الباب الّذي أقامه ، ومنه قول رسول اللّه ( صلع ) : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، ومثل الجلود والأصواف والأوبار والأشعار مثل الظاهر وعنى بالسكن ما تسكن إليه قلوب المؤمنين من علم أولياء اللّه علم التأويل ، وبالجلود والصوف والوبر والشعر ظاهر هم فلذلك يعمل به ويستمتع منه إلى حين دفع الأعمال بحضور الساعة ، ومن أمثالها أن الإبل لا قرون لها تناطح بها كما ذلك للبقر والغنم ، ومثل ذلك في التأويل أن النطقاء لا يجادلون المخالفين إلا بالسيف كما تعض الإبل بأسنانها . وتناطح البقر والغنم في التأويل مثل الجدال والرد على المخالفين ؛ فافهموا التأويل أيها المؤمنون فهمكم اللّه ونفعكم وهداكم ووفقكم وسددكم وأرشدكم إلى ما تحظون عنده وتزدلفون به إليه ، وصلى اللّه على محمد نبيه وعلى الأئمة من آله وسلم تسليما ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
هامش
( 1 ) سورة النحل : 66 .
( 2 ) سورة النحل : 80 .
( 3 ) سورة البقرة : 189 .