تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
البيوت ويستخرجون ما يجدونه فيها من المؤنة فيأكلون منه قدر شبعهم ويضعون الباقي في حقائبهم . ولهذه الأعمال الفظيعة خرب الكثير من القرى في الجهات الشرقية والجنوبية وغيرهما من ولاية حلب وجلا أهلها عنها ، وأصبحت خرابا يبابا لا أنيس فيها ولا جليس .

حبس الأقوات عن المدينة المنورة وجهات بيروت :

ومن المنفرات العظيمة : حبس جمال باشا الأقوات عن المدينة المنورة وجبل لبنان ، كيلا يبقى لأهلهما همّ غير خلاص أنفسهم من غائلة الجوع ، فيكون في ذلك شغلهم الشاغل عما كان يتوهمه فيهم من العصيان والتمرد على الحكومة العثمانية والانحياز إلى أعدائها . وقد جلا أهل المدينة عنها ونالهم من المشقة والزحمة ما يعجز القلم عن بيانه ، وجلا البعض من أهل لبنان عنه وهلك بالجوع - ممن بقي فيه - عشرات الألوف . وكان جمال باشا يودّ أن يقدر على تنفيذ هذا المقصد في دمشق وحلب غير أنه لم يوفق إليه بسبب كون هذين البلدين من البلاد الزراعية التي يتعذر خلوّها من الأقوات . على أنه مع هذا أمكنه أن يرمي شيئا من سهام هذا البلاء أهل حلب حينما قلّت فيها الأقوات وغلت أسعارها ومات الكثير من فقراء أهلها بالجوع ، والأقوات كثيرة متوفرة في المستودعات العسكرية وجهات ماردين وغيرها ، مع عدم ترخيصه بإعطاء شيء من المستودعات أو إحضار مقدار من الجهات المذكورة تخفيفا لويلات أولئك الفقراء .

منع إخراج البضائع من مواضعها :

ومن المنفّرات أيضا ما جرت عليه الجهة العسكرية في إبان هذه الحرب من العادات المضرة بصالح الأهليّين ، التي من جملتها أن المواد الغذائية وجميع البضائع التي تصرف في حاجيات الحرب والعساكر لا يجوز إخراجها من بلدة إلى أخرى إلا إذا كان الذي يريد إخراجها ضامنا ، أي ملتزما لها على شرط تسليمها إلى الجهة العسكرية أو إدارة الإعاشة في غير بلدة فإنه يرخص له بإخراجها ، وإدارة السكة الحديدية توافق على شحنها له إلى الجهة التي يريد أن ينقلها إليها . هذه القاعدة أوقعت بالأهلين أضرارا عظيمة وأفقدت المساواة بينهم في المعيشة ، وفيما