تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
الأوراق التي هي الجرائد القديمة ومسودات الدعاوي التي يوكل بها لأنه كان محاميا . علّق جمال باشا هذين الشابين لمجرد الأسباب التي ذكرناها . على أن الديوان العرفي برّأهما ولم يعدّ هذه الأسباب موجبة لقتلهما . فأصرّ عليه جمال بأن يحرر مضبطة بوجوب قتلهما وقال للديوان : يكفي موجبا لقتلهما فرارهما من العسكرية ، مع أن الأول منهما كان عسكريا بالفعل وسافر إلى الباب بالإذن ، والثاني كان خطيبا مستثنى من الخدمة العسكرية بحكم القانون . أما الغرض السياسي الذي يقصده جمال باشا من قتل هذين الشابين - اللذين أدمى قتلهما القلوب - فهو تأييد زعمه بأن عامة البلاد العربية السورية كان أهلها أعداء الدولة العثمانية ، وأن أهل مدينة حلب من جملتهم . وكان ولاة حلب ينكرون على جمال هذا الزعم ويقولون له : الحلبيون لا يوجد بينهم أعداء لحكومة الأتراك ، وإنهم لم يظهر منهم قطّ شبهة تدل على ذلك . فاجتهد جمال باشا بأن يظفر من الحلبيين بشيء سياسي يؤيد دعواه ويكذّب ما كان يقوله الولاة فلم يتيسر له ما أراد ، وبقي سرّه منغّصا لأن عدم ظفره بهكذا شيء يجعله كاذبا في دعواه بأنه فاتح سوريا ؛ تلك الدعوى المفتراة التي آيدها في بيروت ودمشق وغيرهما من البلاد السورية الجنوبية بما أراقه فيها من دماء أهلها العاصين على الحكومة على زعمه ، وبقيت دعواه في مروق أهل سوريا الشمالية غير مؤيّدة . ولما حدثت قضية هذين الشابين في حلب عدّ قتلهما فرصة لتأييد زعمه وتأكيد دعواه في الحلبيين أيضا وأنه ألمعيّ لا تخيب فراسته ولا تخطىء سهام ظنونه المرمى ، وأن ولاة حلب - الذين كانوا يبرّئون أهلها من شائبة المروق على الدولة - لا تحقيق عندهم ولا تدقيق .

تسلط جباة الأموال ورجال الدرك على أهل القرى :

ومن المنفّرات العظيمة التي كان يتسبب بها أراذل جباة الأموال ورجال الدرك المعرفون بالجندرمة : سوء معاملة هؤلاء لأهل القرى وتسلطهم عليهم بالسب والضرب ؛ بحجة أنهم يتقاضون منهم المتأخر في ذممهم من مرتّبات الدولة عليهم كالأعشار ، ورسوم الأملاك المعروفة بالوركو ، والإعانات التي تجبى من الناس بأسماء مختلفة كقولهم : إعانة الكساوي الشتوية للعساكر الشاهانية ، وإعانة الأسطول ، والإعانة الملّيّة وإعانة المهاجرين ، وغير ذلك من الإعانات المختلفة الأسماء المتحدة المعنى ؛ لأن جميعها كانت ترمي إلى غرض واحد