تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
ليلة واحدة نفذ هذا الحكم على واحد وعشرين شخصا من رجال هذه الجمعية ، علّق بعضهم في بيروت وبعضهم في دمشق ، كما أشرنا إلى ذلك في حوادث سنة 1334 . كان الأشخاص المقتولون من مشاهير رجال سوريا وذوي العقول المنوّرة منهم ، ولهم شيعة كبيرة تسير على سننهم وتقتفى آثارهم في أعمالهم وتعتقد بهم كل فضيلة وكمال . ولذا نقول : إن الاتحاديين أخطئوا في هذه الحادثة من عدة وجوه : الأول : قتل الرجال المذكورين ؛ لأنه كان من أكبر الدواعي لتنفير قلوب شيعتهم الكبيرة العربية من الحكومة العثمانية ، في الوقت الذي كان اللازم فيه على الاتحاديين أن يجتهدوا بعمل ينشأ عنه عكس ذلك ، أي بعمل ينشأ عنه تحبيب القلوب بالحكومة العثمانية واستمالتها إليهم بمقتضى موقفها الحرج الذي هو في حاجة شديدة إلى تكثير عدد الصديق وتقليل عدد العدوّ . حتى لو فرضنا أن الرجال المذكورين كانوا يستحقون القتل حقيقة ؛ كان الواجب السياسي يقضي على الحكومة في هذا الوقت الحرج ألّا تقتلهم ؛ بل بعد أن تحكم عليهم بقصاص القتل وتوهمهم بأن لا مناص لهم من هذا القصاص - إظهارا لقدرتها وتنويها بسطوتها - تفاجئهم بصدور العفو حلما منها وحنانا عليهم ، ثم يستتابوا وتتلى عليهم النصائح والمواعظ ويقال لهم : عفا اللّه عما مضى ويستمالوا بالمعروف وتملك قلوبهم بالإحسان ، فيندمون على ما فرط منهم ويعترفون بفضل دولتهم وفرط رأفتها وحلمها عليهم ، وتتبدل عداوتهم لها بالصداقة ويخدمونها بكل أمانة وإخلاص . حكي عن إسكندر المكدوني أنه قيل له : بم نلت هذه المملكة العظيمة على حداثة السن ؟ فقال : باستمالة الأعداء وتصييرهم بالبر والإحسان أصدقاء وتعاهد الأصدقاء بأعظم الإحسان وأبلغ الإكرام . الثاني : غدر الاتحاديين بهم وعدم احترامهم وعود حكومتهم . ومعلوم أن وفاء العهد إذا كان من حيث هو واجبا فهو على الحكومة أشد وجوبا ؛ لأن الحكومة قد يكفيها وفاء العهد والوعد مؤنة حرب عظيمة إذا عرفت باحترام العهود ، فأما إذا كانت معروفة بإخلاف الوعد ونكث العهد فإنها تفقد الثقة من القلوب وتصبح مضطرة إلى استعمال القوة والعنف في كل غاية تطلبها . الأمر الذي يجعل الحكومة طول حياتها في تعب ونصب ، ولهذا قيل فيما ينسب إلى الفرس : فساد المملكة واستجراء الرعية وخراب البلاد بإبطال