تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
الوعد والوعيد . ومن هذا القبيل ما أورده ابن خلدون في الفصل 19 من الفصل الثاني من مقدمته فراجعه . وقد ظهرت آثار صدق هذا الكلام فيما نتج من غدر الاتحاديين بهؤلاء الجماعة وما جنوه في عملهم هذا على دولتهم من المتاعب والمعاطب وتعجيل ضياع بلادها وتنفير قلوب شعوبها . وقد زعم جمال باشا في مذكراته أن قتل هؤلاء النفر لم يكن مبنيا على ما صدر منهم في مؤتمرهم الذي عقدوه في باريس ؛ بل كان قتلهم مبنيا على أمور صدرت منهم بعد العفو عنهم حالة قيامهم في وظائفهم . على أن جمال باشا ذكر هذا ولم يذكر شيئا مما زعم صدوره منهم بعد العفو المذكور . والحق يقال : إن إراقته دماء هؤلاء الجماعة لم يكن إلا تشفيا لغيظه من العرب ، عادّا عمله هذا فوزا عظيما وانتصارا مبينا ، به سماه مدّاحوه والمتقربون إليه فاتح سوريا وبطل تركيا . ولو أمنوا بطشه لسمّوه بسبب هذه الجريمة مضيّع سوريا وناكب تركيا . والأمر الغريب أن جمال باشا بعد أن غدر بهؤلاء الرجال أحس بأن العرب قد نقمت عليه عمله وعدّته ظلما وتشفيا ، فأراد أن يعتذر للعرب بقتلهم ويوهمهم بأنه لم يقتلهم إلا لأنهم يستحقون القتل لجرائم صدرت منهم ، فأمر أن يلفّق له كتاب تذكر فيه جرائمهم وذنوبهم التي استحقوا من أجلها القصاص ، مع بيان الأعذار الشرعية والقانونية التي دعت الحكومة إلى قتلهم . فلفق له هكذا كتاب وطبع ونشر ، فكان المتبصرون من قرائه يرون أن أكثر الأعذار المستند إليها في قتلهم حجّة على جمال لا حجة له ، وأن باقي الأعذار المسرودة في هذا الكتاب مما لا يوجب عليهم شيئا من العقوبة أكثر من التوبيخ أو الحبس مدة يسيرة ليس إلا . ولذا قيل إن هذا الكتاب لما اتصل خبره بالقائد العسكري الألماني معاون جمال واطلع على ما فيه بواسطة مترجمين رأى أنه مما يؤكد غدر جمال باشا وظلمه ، عكس المراد منه ، وأنه مما يزيد نفور الرعية من تركيا ويضاعف حقدهم عليها . فأمر بجمع ذلك الكتاب وإحراقه ، فجمع منه القدر الكثير وقلّت بين أيدي الناس نسخه :
إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * فأوّل ما يجني عليه اجتهاده
ومن منفرات قلوب الرعية - خصوصا منهم الحلبيين - قتل أفراد منهم لأغراض دنيئة قامت في مخيلة جمال باشا زعما منه بأن قتلهم من الأمور التي تقتضيها السياسة ،