تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
الذي ترجمه ؛ كان عليه ألّا يتسرع بترجمته قبل أن يطلع عليه بعض علماء المسلمين ويستشيره بترجمته ، فإن رضي أن يترجمه فليفعل وإلّا لا . على كل حال ينبغي أن يكون مترجم هذا الكتاب شابا طائشا مغفلا ، أو رجلا سيىء الاعتقاد . وعلى كل فإن الذنب كل الذنب على الحكومة التي رخصت له بطبع هذا الكتاب ونشره غافلة عما يجنيه من نفرة قلوب المسلمين وانحرافهم عن الدولة العثمانية .

التسرع بإراقة الدماء :

ومن المنفّرات الفاضحة - التي كانت من أعظم مدمرات معاهد الصدق والولاء التي شادتها الدولة العثمانية مدة أربعة قرون في قلوب الأمة العربية - تسرّع جمال باشا ورفقاه من زعماء الاتحاديين في إراقة الدماء ، واستخفافهم بأرواح عدد عظيم من الأبرياء الذين هم من زهرة شبان سوريا وبيروت وحلب . إن أهل هذه البلاد قد نسوا مناظر المقتولين والمصلوبين ؛ لأنهم مضى عليهم زهاء ستين سنة ولم يروا إنسانا معلّقا على جذع ، فما راعهم في هذه الأيام إلا مناظر المعلّقين كل يوم على جذع لأقلّ سبب . فاشتد عليهم هذا الحال ونفرت قلوبهم من هذه الدولة نفرة لا رجوع بعدها . كان لا يمضي علينا أيام قلائل إلا ونسمع فرقعة البنادق التي كانت ترشق رصاصها على الفارّين من العساكر فنأسف عليهم ؛ غير أننا لا نلبث أن يزول أسفنا ونرى أنهم عوقبوا بما يستحقونه ثم وردت علينا صحف بيروت تخبر بتعليق جماعة من الشبيبة العربية فيها ، اتّهموا بالمروق على الدولة والسعي بأن يستظلوا براية غيرها . فاستعظمنا هذا الخبر أولا ثم قلنا : لعل الذي اتّهموا به أمر واقع . ثم لم يمض سوى قليل من الأيام حتى سمعنا بإلقاء القبض على جماعة كانوا نسبوا إلى جمعية عربية عقدت في مدينة باريس - بعد حرب طرابلس الغرب - تضم إليها زهرة من أبناء العرب مسلمين ومسيحيين ، أكثرهم من جالية البلاد العثمانية اللاجئين إلى مصر وباريس ، ولو ندره وأميركا . وكان الرئيس على هذه الجمعية عبد الحميد الزهراوي . وقد طبعت كتابا أثبتت فيه نبأ كل ما أجرته ، ونسخة كل ما قالته في جلساتها ، مع بيان أسماء من حضر إليها أو كاتبها على بعد ، ممن رغب الانضمام إليها . وسطرت غير ذلك من الفصول