تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
ولا يخرج في تطبيبه إلى حد الخطر على حياته ، فإن أبلّ من مرضه فذاك هو المطلوب ، وإلا فلا ملام عليه .

ذكر طائفة من الأمور المنفّرة التي كانت أثناء الحرب ، وهي تهور جمال باشا وقلة تبصره :

من تهوّر جمال باشا - وهو أول شيء دل على طيشه - أنه لما قدم إلى حلب لأول مرة أصدر أمره إلى الوالي جلال بك بأن يحمل الناس على الصعب والذّلول ، ويسوقهم فورا إلى جهة « راجو » ليعملوا في تسوية طريق سكة حديد بغداد . وكان صدور أمره هذا ليلا فلم يسع الوالي مخالفته « 1 » . وفي الحال أمر رئيس الشرطة أن يسوق الناس إلى تلك الجهة بأسرع ما يمكن ، فأوعز رئيس الشرطة إلى رجاله أن يطرقوا الأبواب على الناس ويوقظوهم من مضاجعهم ، ويقبضوا على من يرونه في طريقهم من الرجال ويسوقوا الجميع إلى تلك الجهة بلا تفريق بين رفيع ووضيع . ففعلوا ما أمروا به وساقوا الناس بثياب نومهم ، ومنهم من نجا من شر هذه البلية بنقود دفعها للشرطة . . ولما وصلت هذه الجموع إلى جهة « راجو » قابلهم ضباط عسكريون وقالوا لهم : لأي شيء حضرتم إلى هنا ؟ قالوا : لأجل العمل بالطريق . فقالوا لهم : أبأيديكم تحفرون التراب وتقلعون الحجارة ؟ وبأي مكان تنامون ؟ وأيّ طعام تأكلون ؟ ارجعوا إلى حيث جئتم ، لا عمل لكم عندنا ، ولا مأوى ولا قوت . فرجعوا على أسوأ حالة وقد عرى أكثرهم الذّرب من برد الخريف وقلّة الزاد . نحن لا نعدّ هذا العمل مظلمة من جمال باشا ؛ لأن عمل هذا الطريق أمر واجب في أيام هذه الحرب ، وإنما نعد التسرع في سوق هؤلاء على هذه الصفة خرقا « 2 » وقلّة اكتراث بعباد اللّه . أما كان الواجب عليه قبل سوقهم أن يعدّ لهم ما يأكلون ويهيئ لهم خياما يأوون إليها وأدوات يشتغلون بها ولو كان ذلك كلّه من أموالهم ؟ وإنما أرهقهم بالسفر ولم يترك لواحد منهم مجالا لأن يلبس ثوب يقظته ، مع أنه يعلم أن الموضع الذي يساقون إليه خلو من كل ما يحتاجون إليه في أنفسهم وعملهم .
هامش
( 1 ) سبق للمؤلف أن ذكر هذه الحادثة في أول حوادث سنة 1333 ه فانظرها هناك أيضا لمزيد من التوضيح والبيان . ( 2 ) الخرق ، بضم الخاء : الحماقة .