تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
بالمال ، وأصبحوا مدة قرنين عونا على الملوك العثمانيين بعد أن كانوا عونا لهم ، فكان قيامهم على أولياء أمورهم في مدد متواصل وإثارتهم الفتن والقلاقل في البلاد ، وتسلطهم على الرعايا ، في استمرار غير منقطع . وفي كثير من الأوقات بينما كانت الدولة في ارتباك وشغل شاغل من أمر أولاء الجنود ؛ كانت روسيا ترهقها بالحرب اغتناما لفرصة اشتغالها بتسوية أمور داخليتها . وكان سبب بلوغ الانكشارية تلك الدرجة من العتوّ والتمرد غلطة الصدر الأول من الملوك العثمانيين ، وهي أنهم كانوا يبالغون بالإحسان إلى الانكشارية ويعاملونهم معاملة الوالد الشفوق على ولده الوحيد حتى نبهتهم تلك المعاملة إلى عظم شأنهم وعرفتهم أنهم هم روح المملكة وأولياء نعمة ملوكها وشعوبها ، فهاموا بهذه الخيالات وطغوا وبغوا ، وأصبحت المملكة العثمانية في أيديهم كسفينة تتقاذفها عواصف شرورهم ، فلم يستطع السلاطين ردعهم ووقف تيار غلبتهم إلا بعد مشقات عظيمة أشرنا إلى بعضها في الإجمال الذي ذكرناه في هذا الجزء تحت عنوان « نبذة في الكلام على هذه الطائفة » فراجعه .

أسباب سرعة سقوط العراق والشام :

لا ريب في أن سرعة سقوط العراق والشام في يد إنكلترة وخروجهما من يد العثمانيين لم يكن إلا بسبب تقاعد أهل هذه البلاد عن مظاهرة جيوشهم وشدّ أزرهم ، خصوصا أهل العراق وأهل سوريا الجنوبية من حضر وبدو فإنهم لم يقنعوا بالتقاعد عن نصرة تركيا فحسب ، بل ظاهروا جيوش الدولة البريطانية وأعانوهم على الجيوش العثمانية بكل ما استطاعوا ، فاستولت جيوش إنكلترة على هذه البلاد بأقرب وقت ، ولولا ذلك لما تمكنت هذه الجنود من الاستيلاء عليها في أقل من بضع سنوات إن لم يحدث في الكون ما يعوق استيلاءهم عليها ويبقيها في يد العثمانيين . على أن لمظاهرة أهل تلك البلاد الجيوش البريطانية أسبابا عديدة أخص منها بالذكر هنا نفرة قلوب أهلها من تركيا بسبب أغلاط ارتكبها الاتحاديون اغترارا بأنفسهم . وكان بعض المحامين عنهم يعتذر لهم بقوله : إن جميع ما أتوا به من الأسباب التي نفّرت قلوب الرعية لم يقصدوا بها سوى المصلحة العامة دون المصلحة الخاصة ، وإنهم لم يفعلوه إلا بنيّة خالصة وغرض عام ، غير أن الأقدار لم تساعدهم فما كان غلطهم إلا من قبيل
نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 522 | محمود فاخوري / كامل البالي الحلبي الشهير بالغزي / شوقي شعث