تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
كان سفره إليها فإنه يكاد يستحيل عليه أن يسافر إليها إلا هربا ، خصوصا إذا كان من جماعة الأرمن ، حتى إنه كان يوجد في كثير من ثغور البحر الأبيض - كبيروت وحيفا وصيدا - شركات لتهريب المسافرين إلى البلاد الأميركية ، فكانت الشركة تأخذ ممن يريد السفر إلى تلك الجهات ليرتين إلى عشر ليرات ، وتهرّبه بواسطة زورق تحمله فيه من فرضة عسرة المسلك أو بعيدة عن العمران . وكثيرا ما كان ولاة بيروت ورجال الدرك فيها يأخذون من تلك الشركات شيئا معلوما على كل مسافر فيجتمع لهم من ذلك مقدار عظيم من المال . وفي أوائل رجب منها قرر أمراء العسكرية وضباطها - ومن انضم إليهم من موظفي الحكومة والأعيان في حلب - بأن يحتفلوا بزينة وإحياء ليلة لسماع الموسيقى وآلات الطرب وإلقاء الخطب التي موضوعها التنويه بالحمد والشكر على المناداة بالقانون الأساسي ، وعود مجلس المبعوثان ، وانتشار راية الحرية والعدل والمساواة بين جميع العناصر العثمانية ، على أن يكون إحياء تلك الليلة في بستان الشاهبندر ليلة الاثنين 6 رجب الموافق 22 تموز الرومي . وفي مساء يوم الأحد أقبل الناس إلى البستان المذكور ، ولما انتظم عقد المدعوين قام الخطباء يتلو بعضهم بعضا يلقون الخطب باللغتين التركية والعربية ، مآلها ما ذكرناه ، وهي أول خطب ألقيت في حلب بعد قرون طويلة لم ينقل إلينا التاريخ في أثنائها أن أحدا ألقى في حلب خطبة سياسية على رؤوس الأشهاد ، فيها بيان خطأ سلطان أو خليفة أو أمير ، حتى زالت هذه الملكة من علماء حلب وكتّابها ، وصار يعسر على النابغة منهم إيراد خطبة ولو على المنبر خصوصا في أيام السلطان عبد الحميد . ولذا كانت تلك الليلة مما دهش له الناس حينما سمعوا الخطباء تنطق ألسنتهم في مدح العدل والحرية والمساواة والتنديد بالظلمة والمستبدين . غير أن بعض من لا خلاق لهم من العامة أصبحوا بعد تلك الليلة يتظاهرون بالفسق والفجور وعدم المبالاة بالحكومة ، لفهمهم بأن الحرية التي نودي بها هي عبارة عن الرخصة لكل إنسان أن يعمل كل ما يريده دون قيد أدبي أو ديني . وبعد هذه الليلة بدأ الحزب المتقهقر قبل إعلان الحرية يطلقون ألسنتهم علنا بذكر مظالم السلطان عبد الحميد وتنفير القلوب منه ، وذكر مساوىء حاشيته وأعوانه وجواسيسه ويصرّحون بشتمهم ولعنهم . فارتاع لذلك أهل الصيّال قبل الإعلان المذكور في حلب وغيرها ، وظهر على عظمائهم وعتاتهم الذل والانكسار ، فانزووا عن الناس ولزموا بيوتهم .