تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
والحمدانية . فانقطع تسفير الحبوب ووقفت أسعارها عن التصاعد . وكان هذا المنع صوابا لأن الجراد الذي كان غارسا في جهات الولاية لم يأت عليه شهر نيسان حتى نقف وأخذ يزحف على الزروع ، فأكل جميع حقول الشعير ، ونحو ثلاثة أرباع حقول الحنطة والقطاني ، فارتفعت الأسعار ارتفاعا فاحشا وبيع شنبل الحنطة بمائة وخمسين إلى مائة وثمانين بدل مائة وعشرين قرشا . هذا مع منع تسفير الحبوب ومجيء الحبوب والدقيق من حماة ودمشق كل يوم . ولولا ذلك لعدمت الأقوات وأكل الناس بعضهم ، وقد تبعت أسعار الأقوات بعضها فارتفع سعر الزيت من 15 إلى 30 وسعر السمن من 35 إلى 70 .

خطبة عامة في الجامع الكبير :

وفي أواخر شعبان هذه السنة قدم من استانبول على حلب رجل من أذكياء علماء كركوك يقال له الشيخ عناية اللّه أفندي ، وكانت جهة مقصده الموصل وهو عضو سيّار في جمعية الاتحاد والترقي العثماني . وفي يوم قدومه إلى حلب قصد منزل الوالي ناظم باشا واستدعى بواسطته طائفة من علماء حلب فأطلعهم على منشور عضويته ، وكلفهم أن يسعوا بحشد الناس وجمعهم في مكان فسيح ليلقي عليهم خطبة أمرته الجمعية بإلقائها في جميع البلدان التي يتجول بها . فقر الرأي على حشد الناس في الغد في الجامع الكبير . وفي صبيحة الغد خرج أشخاص ينادون في الأسواق بما معناه : ( معاشر الناس من كل ملة ودولة ، سيلقى بعد الظهر في الجامع الكبير خطبة فاحضروا لسماعها ) . وبعد ظهر ذلك اليوم أقبل الناس إلى الجامع الكبير مسلمين ومسيحيين وإسرائليين وإفرنج حتى غصت بهم رحبة الجامع ، وكان الشيخ عناية اللّه واقفا على الدكّة الحجرية في وسط رحبة الجامع ، ومعه الوالي وجماعة من أهل العلم . فاعتلى كرسي الخطابة وافتتح خطبته بصوت جهوري وما زال يتلوها مرتلة حتى أتى على آخرها ، وقد استغرفت تلاوتها نحو نصف ساعة ، وخلاصتها : حمد اللّه تعالى وشكره على نعمة الحرية والمساواة والعدالة والاتحاد ، ومدح هذه الخلال وبيان فضائلها والحثّ على التزامها وعدم الحياد عنها ، وأن تكون الأمة العثمانية على تمام الوفاق والتحابب مع بعضها مهما اختلفت مذاهبها ومشاربها ، وأن هذه الأمور هي أقصى غايات جمعية الاتحاد والترقي العثماني التي سعت بقلب الحكومة العثمانية من الحكومة المطلقة إلى الحكومة المقيدة المعروفة بالمشروطية ، وأن المشورة من