تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وقد حضرت إليه عساكر الملكة الشامية كعسكر دمشق مع نائبها سودون ، وعسكر طرابلس مع نائبها المقرّ السيفي شيخ الخاصكي ، وعسكر حماة مع نائبها دقماق ، وعسكر صفد وغزّة فاختلفت آراؤهم فمن قائل : ادخلوا المدينة وقاتلوا من الأسوار ، وقائل : اخرجوا إلى ظاهر البلد تلقاء العدو بالخيام . فلما رأى نائب حلب اختلافهم أذن للناس في إخلائها والتوجه حيث شاؤوا ، وكان نعم الرأي لو فعلوا ، فلم يوافقوا على ذلك وضربوا خيامهم في ظاهر البلد تلقاء العدو ، وحضر قاصد تيمورلنك فقتله نائب دمشق قبل أن يسمع كلامه ، وبئسما فعل . ثم إن النواب ومعهم بعض العساكر والعامة خرجوا إلى جهة بابلّي تحت مشهد الشيخ فارس ، وسمع بعضهم دمرداش وهو يقول للتتر : إنا إذا حملتم أنكسر ، أو كلاما مثل هذا . ولما وقف الحلبيون والتقى الجيشان قرأ ابن القلعيني قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
الآية وكان صيّتا . واستمر القتال يوم الخميس والجمعة . ولما كان يوم السبت حادي عشر الشهر المذكور ركب تيمور وجمع وحشد ، والفيلة تقاد بين يديه وهي ثمانية وثلاثون فيلا وزحف على حلب فانخذل دمرداش وانحاز إليه سرا يعلمه المخازي ، وانهزم المسلمون بين أيدي التتر وجعلوا يلقون أنفسهم من الأسوار والخنادق ، والتتر في أثرهم يقتلون ويأسرون وقد أحالت العساكر بالحوافر أجساد العامة ، وجرى من دخول المنهزمين بالأبواب من فساد الأجساد وذهاب المهج ما أذهب العقول . وأما سودون نائب دمشق فإنه قاتل على باب النيرب قتالا عظيما وحمل عليه معظم جيش تيمور وهو ثابت صابر ، إلا أنه لما شاهد الغلبة دخل حلب . ودخلها جيش تيمور ينهبون الأموال ويحرقون المباني ويخربونها ويقتلون الكبار والصغار ويفتضّون الأبكار ، ويأخذون المرأة ومعها ولدها الصغير على يدها فيلقونه من يدها ويفسقون بها . فلجأ النساء عند ذلك إلى الجامع الكبير ظنا منهنّ أن هذا يقيهنّ من أيدي الكفرة ، وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء يشوّه محاسنها ، فيأتي ذلك العلج إليها ويغسل وجهها ويتناولها ويتمسح بالأوراق الشريفة . ودام هذا الحال من يوم السبت إلى يوم الثلاثاء . ومع ذلك فإن طائفة من عساكر التتر لم يزالوا يشتغلون بنقب القلعة وبها جميع النواب وخواص الناس وأكثر أموالهم ونفائس أمتعتهم .