تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهر الذهب في تاريخ حلب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
يطلبون المدينة واجتمع عسكر المسلمين بالبواسير وميدان الحصى وأجالوا الرأي فيما يعتمدونه ، فأشار عليهم الملك المعظم ألّا يخرجوا أصلا لكثرة التتر وقوتهم وضعف المسلمين عن لقائهم ، فأبوا إلا الخروج إلى ظاهر البلد لئلا يطمع العدوّ فيهم . فخرج العسكر إلى ظاهر البلد وخرج معهم العوام والسوقة واجتمعوا كلهم بجبل بانقوسا ووصل جمع التتر إلى أسفل الجبل وأوكبوا على القرية « 1 » المعروفة ببابليّ . فنزل جماعة من العسكر إليهم ليقاتلوهم فلما رآهم التتر اندفعوا بين أيديهم مكرا وخداعا فتبعوهم ساعة من النهار ثم كرّ التتر عليهم فولوا منهزمين إلى جهة البلد والتتر في إثرهم . فلما جاؤوا جبل بانقوسا وعليه بقية عسكر المسلمين والعوام اندفعوا كلهم طالبين البلد ، فاختنق من المسلمين خلق كثير في أبواب البلد والتتر في أعقابهم فقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا ونازلوا المدينة في ذلك اليوم إلى آخره . ثم رحلوا طالبين عزاز فتسلموها بالأمان . ولما بلغ الملك الناصر خبرهم وهو بدمشق أشخص كمال الدين بن العديم رسولا إلى الملك المنصور صاحب مصر يستنجده عليهم فرجع بالخيبة . وأما الملك الناصر فإنه خرج من دمشق إلى برزة في أواخر هذه السنة وجفل الناس بين يدي التتر ، وسار من حماة إلى دمشق الملك المنصور صاحب حماة ، ونزل مع الناصر ببرزة . وكان ببرزة بيبرس البندقداري صاحب الكرك ، فاجتمع عند الملك الناصر ببرزة أمم عظيمة من العساكر والجفّال « 2 » ، غير أن الملك الناصر بلغه أن جماعة من مماليكه قاصدون اغتياله ، فهرب إلى قلعة دمشق وخافه مماليكه فهربوا إلى جهة غزّة ، وسار البندقداري معهم . وأما التتر فإنهم في صفر سنة 658 عادوا إلى حلب ، لأن هولاكو بن تولي بن جنكز خان كان قد عبر الفرات بجموعه ونازل حلب ، وأرسل إلى الملك المعظم نائب حلب يقول له : إنكم تضعفون عن لقاء المغل ونحن قصدنا الملك الناصر والعساكر فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة « 3 » وبالقلعة شحنة ونتوجه نحن إلى العساكر ، فإن كانت الكسرة على عسكر المسلمين كانت البلاد لنا وتكونوا قد حقنتم دماء المسلمين ، وإن كانت الكسرة علينا كنتم
هامش
( 1 ) أي أقاموا عندها ولازموها . ( 2 ) الجفّال : جمع جافل . يريد بهم الذين هاجروا من أوطانهم خوفا وطلبا للأمن . ( 3 ) الشحنة : العسكر الذين يرابطون في البلد لضبط أمور أهله .