تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وصلت إليه المدارس التقليدية من ترد فادح ، ومن خلال تعريضه بفئات واسعة النفوذ من العلماء والمشايخ والصوفية ومتولي الأوقاف ، بل إنه مضى في ذلك ليشمل في نقده فئات اجتماعية لا صلة لها بالعلم ، كالانكشارية ومن يدور في فلكهم ، كما أنه انتقد أيضا ما سماه ( قانون الأتراك ) ويعني به ما كان متّبعا ، في عهده ، من شراء للمناصب العلمية والتدريسية في المدارس ذات الأوقاف الكثيرة . إن هذا الموقف من المجتمع ، والذي لمحنا بعض بداياته لدى السويدي ، استمر ، بوضوح أكثر ، لدى تلامذته ، وبخاصة لدى أبنائه من العلماء ، من ذلك أن حفيدا له ، هو علي بن محمد سعيد ( المتوفّى سنة 1214 ه / 1799 م ) ألف ، بعد نصف قرن من وفاة السويدي ، كتابا مهما سماه « العقد الثمين في بيان مسائل الدين » حمل فيه بجرأة مشهودة على مظاهر وعادات وتقاليد اجتماعية سكت العلماء المعاصرون عن معالجتها ، ودعا فيه صراحة إلى العودة إلى المنابع الأولى للدين ، وهجر كثير مما كان سائدا ، أو مألوفا ، في عهده ، من مزاولة للسحر بضروبه ، وسكنى المقابر وتقديسها ، والاغتسال بالآبار المباركة ، وغير ذلك من أمور ، كان التعرض إلى أيّ منها كافيا ، لإثارة حفيظة فئات اجتماعية واسعة ، وليس صعبا أن نلمح أوجه شبه عديدة ، وأساسية ، بين أفكار كهذه ، وما تضمنته كتب السويدي الجد من طروحات وملاحظات . وعلى أية حال ، فإن تيارا نقديا كهذا لم يكن ليتوقف ، فقد وجد كتاب ( العقد الثمين ) انتشارا واسعا بين معاصريه ، وجاء محمد أمين ابن مؤلفه علي السويدي ليبلور أفكاره ، وينضج مواقفه ، في شرحه له ، الذي عنونه ( التوضيح والتبيين لمسائل العقد الثمين ) والذي عد نموذجا لفكر إصلاحي أخذت رياحه تعصف بكثير من التقاليد الموروثة في مجال الحياة الفكرية - الاجتماعية في القرن الثالث عشر الهجري ( 19 م ) حتى وصف بأنه كتاب « تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل » . « 1 »
هامش
( 1 ) بحثنا محمد أمين السويدي ، عالم بغداد ومؤرخها وأديبها » المنشور في مجلة المورد العدد 3 ( المجلد 2 بغداد 1972 ) ص 58