تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
في نظره لأنه صار « كالشرح الثاني » بعد أن قام بشرح مفردات القصيدة وإعرابها ، وهو ما يقوم به الشارحون عادة . ونحن نلمح في هذا الشرح روحا نقدية عالية ، أتى فيها بكلام السابقين ، وعقد موازنات بين آرائهم ، وانتقد بعضها ، وأوضح أسباب ذلك ، وأيد البعض الآخر ، وبين بواعث تأييده لها ، ولم يتردد في الرد على مشاهير العلماء إذا ما ظهر له بطلان ما يستندون إليه من أدلة ، وضعف ما توصلوا إليه من نتائج . وهو في حاشيته على مغني اللبيب ، لم يجعل النقد جزءا من منهجه ، وإنما منهجه كله ، فقد ناقش فيه ، مرّة واحدة ، أربعة من شارحيه السابقين ، بضمنهم مؤلف المتن نفسه ، فجعله - كما وصفه المرادي - « محاكمة بين شارحيه » وهذا اللفظ ، أعني « المحاكمة » وهو ما نقد كتاب العجلوني عليه لخلوه منه كما رأينا قبل قليل ، وهو ما دفعه أيضا إلى تأليف عدة رسائل في الردود ، ناقش في بعضها كتبا محددة على طريقة ( قال ) و ( أقول ) وهي طريقة تمنح المؤلف قدرا واسعا من الحرية في مناقشة النصوص . إن هذه الروح الجديدة في تناول النص ومناقشة صاحبه مهما كانت منزلته ، هي - في تقديرنا - أهم ما أورثه السويدي لتلامذته العديدين ، وهو بهذا يمكن أن يكون رائدا لمدرسة نقدية حقيقية في وسع الباحث أن يتتبع مسارها إبان أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر للهجرة ( 18 و 19 للميلاد ) . وهذا بدوره يجرنا للكلام عن المسألة الثانية وهي أثر الاتجاه الذي بشّر به ، وبدأه السويدي من خلال كتبه وتلامذته ، على الفكر الاجتماعي في ذلك العهد والعهد الذي تلا ، فإن ما بدأه السويدي من صياغة ( موقف حر ) في نقد العلماء ( والأدباء من ضمنهم ) من خلال نصوصهم ، جرّ إلى موقف مشابه من نقد المجتمع من خلال واقعه نفسه . ورغم أن كتابا للسويدي لم يصلنا بهذا المعنى ، إلا أن لنا أن نلمح ذلك في ثنايا مقامة أدبية وضعها لينتقد بها شخصيتين اجتماعيتين بارزتين ، هما القاضي والمفتي ، وربما نجد شيئا أكثر أهمية في نقده الجاد للحياة العلمية والمستوى الفكري في عهده ، من خلال هجومه على ما