تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
لطلبته ، أو للطلبة في عهده عامة ، فأعمال كهذه لم تكن بعيدة عن أيدي الدارسين يومذاك ، وإنما تكمن أهميتها في أنها احتوت ، فيما احتوت ، على روح نقدية جديدة لم نكن نلحظها لدى سابقيه ، من مواطنيه في الأقل ، وبشّرت بولادة اتجاه قوي له ( موقف ) مما في الكتب الموروثة التي اكتسبت قدسية خاصة لكثرة ما اعتمدها الشيوخ أولا ، ثم مما كان يبرز في واقعهم نفسه من ظواهر اجتماعية مختلفة . ولنبدأ هنا بتوضيح المسألة الأولى ، فعلى رغم أن السويدي قرّض شرح صحيح البخاري للشيخ إسماعيل العجلوني ، وكان عالم دمشق ومحدثها ، بناء على طلب مؤلفه ، فإنه انتقده بقوة مستهدفا منهجه ، إذ وصفه بأنه « مجرد نقول لا محاكمة فيه ولا تحرير معنى ولا ضبط مبنى ، بل إنه ينقل عبارة بعض الشروح ثم يعقبها بعبارة شرح آخر ، ويكون بين العبارتين مخالفة فما يرجّح أحد القولين على الآخر ولا يجمع بينهما ، وتارة تكون العبارتان متفقتين فينقلهما فتؤول إلى التطويل من غير فائدة » وانتقد منهجه في تدريس الشرح بأنه يجري « من غير تقرير ولا تحرير ولا حل إشكال ولا فك تركيب » « 1 » فما انتقده هنا لم يكن كتابا بقدر ما كان منهجا بأكمله ، ولم يكن العجلوني وحده الذي اختصّ بالتأليف وفق هذا المنهج ، وإنما كان نهج العديد من المؤلفين قبله أيضا ، فعبارة السويدي إذن كانت تحدد موقفا جديدا من مناهج معاصريه ومتقدميه من علماء القرون المتأخرة التي سبقته ، وهم الذين عمدوا إلى شرح المتون والتحشية عليها دون أن يكون لهم ( موقف ) مما يكتبون . ولا شك في أن السويدي تلافى ما رآه نقصا منهجيا حين وضع شرحه على صحيح البخاري ، ولكن من المؤسف أن هذا الشرح ضاع فيما ضاع من آثاره ، وعلى أية حال فإن في وسعنا تتبع موقفه الفكري هذا في جميع أعماله المتبقية الأخرى ، وها هو في شرحه للامية العرب للشنفرى يصرح بأنه تكلم فيها « على دفع انتقاد ، وتوضيح مراد ، وفك مبنى ، وسبك معنى » وإن هذا العمل جاء مهما
هامش
( 1 ) النفحة المسكية الورقة 134