تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل ، على الله توكلت .

[ المدينة المنورة ]

وتليها مرحلة طابة الطيبة المنورة ، دخلتها يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام « 1 » ، وقبل رؤيتي معالمها ازداد اضطرابي ، وتضاعف خوفي ورعبي ، وعيناي ( 176 ب ) تهملان بالدموع ، وفؤادي محترق بالولوع . ولما وقع نظري على معالمها نزلت عن الجمل ومشيت راجلا إلى أن دخلتها فتمثلت بقول القائل :
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا * فؤادا لعرفان الدّيار ولا لبّا
نزلنا عن الأكوار « 2 » نمشي كرامة * لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى * إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا
فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى * ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما اصبى
وحين دخلتها اغتسلت ، وقصدت المسجد النبوي ، ( أتخلل الطرف ) « 3 » ، منكس الرأس ، هامل العين ، خائفا وجلا ، فدخلت من باب سيدنا جبرائيل لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل منه ، فازداد خوفي وبكائي وتضاعف خجلي وحيائي خشية أني قصرت في إقامة شريعته وإحياء سننه ، فلا سنة أحييتها ولا بدعة أمتها ، لا نشرت أحكامه بين أمته ، ولا أتعبت نفسي في تشييد ملته ، وأكثر خوفي ورعبي أني إذا قلت : السلام عليك يا رسول الله ، ( 177 أ ) أخشى أن يكون جوابي منه : لا سلام عليك ولا حياك ولا بياك ! فوقفت تجاه وجهه الشريف في غمرات الناس ، وأنا خائف وجل ، كأني سارق أطالب بحد ، أو قاتل أقيد لقود ، أو فاعل فعلة شنيعة ، أو مرتكب جريرة قبيحة فظيعة ، خافض الطرف ، منكس الرأس ، ذاهل عن جميع الحواس ، ناظر إلى أسفل الجدار ، ودموعي كالوبل المدرار ، وأعضائي ترعد
هامش
( 1 ) الموافق 29 كانون الأول ( ديسمبر ) سنة 1744 م . ( 2 ) جمع كور ، وهو رحل البعير . ( 3 ) غير ظاهرة في أ .