ومن عجيب ما رأيت فيها أن غالبهم ، حتى الأولاد الذين [ هم ] أبناء ست سنوات ، على رؤوسهم عمائم ، كل عمامة أكبر من حجر القنبرة والمنجنيق ، حتى رأيت بعض العوام عمائمهم كذلك . ولعلمائهم لباس نفيس من الفرى السمورية والسنجابية والقاقمية « 1 » وغيرها ، بحيث يساوي مالا جزيلا .
وأكثرهم لا يحسن [ قراءة ] « 2 » الفاتحة ، وأكثر مصروفهم من الأوقاف ، حتى إني سمعت أن في دمشق نحو ألف مدرسة أكثرها اندرس والباقي صار منازل للناس وأوقافها يأكلها هؤلاء الجهلة . ومما اعتادوه ( 136 أ ) أنهم يذهبون إلى الدولة العلية ، ويشتري [ أحدهم ] « 3 » له مرتبة تدريس على قانون علماء الأتراك ، فيكتسب بذلك الكبر والظلم ، ويتخذ له المماليك الحسان ، وهو أجهل من حمار ، فوا أسفي على علمائنا ، فما أفقرهم وما أحوجهم وما أعلمهم وما أصلحهم ، فوالله إن أدنى علماء دمشق يملك أكثر مما يملكه والي بغداد مع سعة إيرادها . وأما مشايخ الطريقة فأولاد الشيخ عبد القادر ، الذين هم في الشام لهم مظالم ويتعاطون الربويات ، ولهم بيوت صرفوا عليها ما لا يعد ولا يحصى ، شاهقة نحو السماء ، بحيث لو بناها فرعون لأنكر عليه ، فوا أسفي على أولاد الشيخ الذين هم سدنة قبره وخدام ضريحه ، فما أفقرهم وما أحوجهم وما ألينهم وما أودعهم وما أكرمهم رضي الله عنهم ، وأما أولئك فهم أبخل من مادر « 4 » ، وأفجر من فرعون ، لهم كبر وأنانية أعظم من نمرود ، أعاذنا الله
هامش
- [ عدد ] منهن وانزوى البقية . ( تاريخ حوادث دمشق اليومية ، تحقيق أحمد عزت عبد الكريم ، القاهرة 1959 ، ص 57 ) .
( 1 ) الفرى ، جمع فروه ، الرداء : الرداء المتخذ من الفراء أو المبطن به ، ولعله يشير إلى الكرك ، وهو نوع من الألبسة الثمينة يشبه الفرجيه ، مبطن بفراء بعض الحيوانات النادرة ، والقاقم ، أو القاقوم ، حيوان ببلاد الترك على شكل الفأرة إلا أنه أطول ( المصباح المنير ) .
( 2 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 3 ) زيادة يقتضيها السياق .
( 4 ) رجل في الجاهلية بلغ الغاية في البخل حتى ضرب به مثلا .