تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
في ذلك . وفوائد هذا التغليب ثلاث : الأولى الإيجاز إذ أصحاب السعير فيه إيجاز بالنسبة إلى الشياطين والذين كفروا ، والثانية المبالغة في وصف الذين كفروا للإفراط في الكفر والضلال حتى كأنهم صاروا نفس الشياطين الذين هم أصحاب السعير حقيقة . الثالثة التعليل وذلك لأن قوله تعالى سحقا ، معناه فبعدا لهم عن رحمته ، أي عن جنته التي هي دار لرحمته ، أي ثوابه وإنعامه ، وقد علق بقوله تعالى لأصحاب السعير ، والحكم إذا علق بوصف أشعر بعلية الوصف المعلق عليه للحكم المعلق كما هو ( 85 ب ) مقرر في محله كقوله تعالى
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
« 1 »
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
« 2 » وللخفاء في أن كونهم أصحاب السعير الملازمين لها الخالدين علة لبعدهم عن الجنة التي هي دار رحمته ، انتهى . قلت : وفي العبارتين محل « 3 » تأمل . ومما وقع السؤال عنه ، قوله تعالى
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
« 4 » سألت الشيخ الجبريني « 5 » : لم أكّد الموت باللام مع كونه أمرا معلوما لا ينكره أحد ، ولم يؤكد البعث بها مع كون المنكرين له كثيرين ؟ فلم يستطع الجواب وجوابه - والله أعلم - أن المخاطبين لما كانوا منهمكين في الدنيا مقبلين على شهواتها ولذاتها مغترين بزهرتها ونضارتها ، غير مكترنين بالأمور الأخروية ، بل إنهم معرضون عنها بالكلية نزلوا منزلة من اشتد إنكاره للموت فألقى إليهم الخبر مؤكدا باللام ، وأما البعث فإنه لمّا قامت عليه الدلائل الساطعة والبراهين القاطعة فكأنه محسوس مشاهد ، نزلوا منزلة من لم يشتد إنكاره
هامش
( 1 ) النور آية 2 . ( 2 ) المائدة آية 38 . ( 3 ) في ب ( وفي محل العبارتين تأمل ) . ( 4 ) المؤمنون الآيتان 16 و 17 ( 5 ) هو الشيخ طه الجبريني وقد تقدمت الإشارة إليه غير مرة .
النفحة المسكية في الرحلة المكية — صفحة 169 | عماد عبد السلام / عبد الله بن حسين السويدي البغدادي